ب. مراعاة الفروق الفردية بين المدعوين.
كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في دعوة المسلم الجديد إلى الله تعالى أن يراعي ما ليه من فروق فردية جسمية وعقلية وعلمية ونفسية وغير ذلك.
فيجب أن يكون الداعية على علم بحال المدعوين، فلا يمكن أن يكون خطاب الداعية إلى الله تعالى واحدا لجميع المدعوين، فالناس فيهم الكبير والصغير، والحاكم والمحكوم، والذكر والأنثى، والكافر والمسلم، والعاصي والمؤمن، والأعجمي والعربي، والمثقف والعامي، وهؤلاء يتفاوتون بلا شك من جهات شتى، فيحتاج كل واحد منهم إلى خطاب يخصه به، وقد يجمع الموفق في الخطاب الواحد ما يناسب الجميع.
وأيضًا من البصيرة في حال المدعوين دراسة البيئة المحيطة بهم، ومحاولة ترتيب الأولويات التي ينبغي البدء بها، ومعرفة عادات الناس، وهذه الاهتمامات لا يوفق إليها إلا النابه من الدعاة، الذي يتلمس النجاح لدعوته عن طريق استيعاب هذه الأشياء.
ولذلك علمنا ربنا سبحانه وتعالى كيف ندعو إليه، مبينا لنا أصناف المدعوين والفوارق البينية بينهم في قوله سبحانه وتعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [1] .
ويؤكد هذا النبي صلى الله عليه وسلم تأكيدا بينا واضحا بقوله وبفعله، ففي بعثه لمعاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن علمه كيف يدعو القوم هنالك بعد أن أعلمه بحالهم وجنسهم وثقافتهم، فقال عليه الصلاة والسلام: (إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة) [2] .
وقد سجلت لنا السيرة مواقف عظيمة في استعمال النبي صلى الله عليه وسلم أساليب ووسائل متنوعة في دعوة الآخرين بناء على اختلاف أجناسهم، وأفهامهم، وهيئاتهم، وسيمر معنا شيءٌ من هذا في ثنايا هذا القسم من الرسالة.
(1) سورة النحل، الآية 125.
(2) أخرجه: البخاري (3/ 261) ، ومسلم (1/ 196) .