الصفحة 15 من 20

قال ابن تيمية:"وَبِهَذَا تَعْرِفُ أَنَّ مَنْ آمَنَ قَلْبُهُ إيمَانًا جَازِمًا امْتَنَعَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ الْقُدْرَةِ فَعَدَمُ الشَّهَادَتَيْنِ مَعَ الْقُدْرَةِ مُسْتَلْزَمٌ انْتِفَاءَ الْإِيمَانِ الْقَلْبِيِّ التَّامِّ؛ وَبِهَذَا يَظْهَرُ خَطَأُ جَهْمٍ وَمَنْ اتَّبَعَهُ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ مُجَرَّدَ إيمَانٍ بِدُونِ الْإِيمَانِ الظَّاهِرِ يَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ؛ فَإِنَّ هَذَا مُمْتَنِعٌ إذْ لَا يَحْصُلُ الْإِيمَانُ التَّامُّ فِي الْقَلْبِ إلَّا وَيَحْصُلُ فِي الظَّاهِرِ مُوجِبُهُ بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ فَإِنَّ مِنْ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يُحِبَّ الْإِنْسَانُ غَيْرَهُ حُبًّا جَازِمًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مُوَاصَلَتِهِ وَلَا يَحْصُلُ مِنْهُ حَرَكَةٌ ظَاهِرَةٌ إلَى ذَلِكَ". [1]

ولذلك فإن العرب لا تعرف في لغتها التصديق والتكذيب إلا ما كان معنى ولفظًا أو لفظًا يدل على معنى، فلا يوجد في كلام العرب أن يقال: فلا صدق فلانًا أو كذبه إذا كان يعلم بقلبه أنه صادق أو كاذب ولم يتكلم بذلك. فمن لم يصدق بلسانه مع القدرة لا يسمى في لغة القوم مؤمنًا، كما اتفق على ذلك سلف الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. فمن صدق بقلبه ولم يتكلم بلسانه فإنه لا يعلق به شيء من أحكام الإيمان لا في الدنيا ولا في الآخرة، إذ لم يجعل الله أحدًا مصدقًا للرسل بمجرد العلم والتصديق الذي في قلوبهم، حتى يصدقوهم بألسنتهم. ولهذا كان القول الظاهر من الإيمان الذي لا نجاة للعبد إلا به عند عامة السلف والخلف من الأولين والآخرين، حيث اتفق المسلمون على أن من لم يأت بالشهادتين مع القدرة على ذلك فهو كافر، وهو كافر باطنًا وظاهرًا عند سلف الأمة وأئمتها. [2] .

والمقصود بالنطق بالشهادتين كما لا يخفى ليس مجرد النطق بهما، بل التصديق بمعانيهما وإخلاص العبادة لله، والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم والإقرار ظاهرًا وباطنًا بما جاء به فهذه الشهادة هي التي تنفع صاحبها عند الله عز وجل، ولذلك ثبت في الأحاديث الصحيحة قوله صلى الله عليه وسلم: (( من قال لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه ) ) [3] .

فالتلفظ بالشهادتين إذن ليس مقصودًا لذاته، وإنما المقصود هو الإعلان عن تحقيق مدلولهما من:

الإقرار بالتوحيد ولوازمه من النبوة والبعث، وترك الشرك والتبرئ منه، والتزام شرائع الإسلام.

فإذا لم تُعَبِّر الشهادة عن نفس هذه المعاني لم تقبل من قائلها، حتى تكون تعبيرًا واقعيًا عن مدلولها، فلا بد إذا من الإتيان بلوازمها كي يتحقق مدلولها.

(1) "مجموع الفتاوى" (7/ 553) .

(2) كما في:"الإيمان"لابن تيمية) ص: 126، 131، 135، 207، 287)، و"الإيمان الأوسط"(ص: 95، 151 (

(3) رواه أحمد (22113) ، وابن حبان) 200)، وصححه الألباني في (( السلسلة الصحيحة ) ) (2355 ) ) وفي رواية (( صدقًا ) )رواه البخاري (128 ) ) وفي رواية (( غير شاك ) )رواه مسلم (27) وفي رواية (( مستيقنًا ) )رواه مسلم (31) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت