القرآنية حتى اهتدوا إلى معرفة الكثير من نواحي الحسن في القرآن والخصائص التي يمتاز بها سواء كان ذلك من ناحية النظم والتأليف أم كان ذلك من ناحية المرامي والأغراض. نلمس تلك الجهود عند الكثير من الخبراء لأبي الحسن علي بن عيسى الرماني )) (( ت 386 هـ ) )وبيان إعجاز القرآن (( للخطابي ) ) (( ت 388 هـ ) )الذي عالج فيه موضوع البلاغة بذكر الأقسام الثلاثة للكلام المحمود. مقررًا أن بلاغة القرآن قد أخذت من كل قسم حصة ومن كل نوع شعبة، مناقشًا بعض وجوه البلاغة القرآنية إذ يقول:
(( وأما ما عابوه من الحذف الاختصار في قوله سبحانه: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} [1] فإن الإيجاز في موضعه وحذف ما يستغني عنه الكلام نوع من أنواع البلاغة وإنما جاز حذف الجواب في ذلك وحسن لأن المذكور فيه يدل على المحذوف والمسكوت عنه من جوابه ولأن المعقول من الخطاب عند أهل الفهم كالمنطوق به والحذف في مثل هذا بلغ من الذكر لأن النفس تذهب في الحذف كل مذهب [2] وحصر الأمثلة والوجوه البلاغية في كتاب الخطابي قد يخرج بنا إلى الاستطراد ولذا سنرجئه إذ سيأتي الكلام على رأيه مفصلا عند الحديث عن النظم وأنه وجه من وجوه الإعجاز.
والنظم من صميم الأبحاث البلاغية التي أولاها العلماء عناية فائقة وفي الذروة منهم عبدالقاهر الجرجاني (( 471 هـ ) )أو (( 474 هـ ) )الذي استقى من جميع الينابيع التي سبقته واستنار بآراء الذين كتبوا قبله في إعجاز القرآن وبلاغته ولم يكن مقلدًا لمن سبقه أو عاصره، ويعد كتاباه (( أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز ) )من أمهات الكتب المبتكرة العميقة في الدراسات البلاغية وخاصة فيما يتعلق ببلاغة القرآن وفصاحته والقول في فكرة النظم. تلك الفكرة التي أكدها عبدالقاهر ونادى بها وفلسفها بأسلوبه المنطقي وبفكره الواعي مما لا نجد مجالا لتفصيله في هذا المدخل الموجز.
وقد تناول عبدالقاهر في كتابيه كثيرًا من الموضوعات والأبواب البلاغية وعالج مسائلها وقضاياها، وعني بالمعاني ومكانتها في أي عمل أدبي وهو بذلك يكشف عن أسرار بلاغة القرآن وأسباب إعجازه. وليس في الإمكان أن نحصي المسائل البلاغية والأدلة القرآنية التي ساقها هذا العالم وفي ثنايا دراسته القيمة. وسنذكر بعض الأمثلة له عند الحديث عن النظم وأنه وجه من وجوه الإعجاز. والذي يهمنا في هذه العجالة هو اهتمام عبدالقاهر وعنايته القصوى بالبلاغة والإعجاز القرآني التي كانت ذروة لجهود الأعلام من العلماء الذين سبقوه فعنايته قائمة على تحليل النص والكشف عن أسراره ولطائفه
(1) سورة الرعد الآية 31.
(2) بيان إعجاز القرآن الخطابي من 47 تحقيق محمد خلف الله ومحمد زغلول سلام ط د. م بمصر.