والاستشهاد عليه من كلام أئمة البلاغة العربية نثرها وشعرها حتى عدت طريقته الطريقة التحليلية النفسية التي تسمو بالذوق في مدارج البلاغة وفن القول.
ومن جملة من عني بالدراسات البلاغية القرآنية الإمام فخر الدين الرازي (( ت 606 هـ ) )في كتابه (( نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز ) ) (( وهذا الكتاب واضح التأثير بما كتب عبدالقاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، ومن الممكن القول بأن الدراسة. المستفيضة والبحث المبسوط في هذين الكتابين اختصر في هذا الكتاب ) ).
وأكثر ما كتبه الرازي في خطبته في فضل علم البيان وأثره في الأدب في إثبات إعجاز القرآن منقولا نقلا يكاد حرفيا مما كتب الجرجاني في مقدمة أسرار البلاغة كما أن أسلوب عبدالقاهر وأفكاره في الأدب والبيان واضحة كل الوضوح في المباحث التي عالجها الكتاب، وفي هذه الخطبة أشاد الرازي بجهود عبدالقاهر في علم البيان فهو الذي استخرج أصول هذا العلم وقوانينه ورتب حججه وبراهينه وبالغ في الكشف عن حقائقه والفحص عن لفظه ودقائقه وصنف في ذلك كتابين لقب أحدهما بدلائل الإعجاز والثاني بأسرار البلاغة وجمع فيهما من القواعد العربية والدقائق العجيبة والوجوه العقلية والشواهد النقلية واللطائف الأدبية والمباحث العربية ما لا يوجد في كلام من قبله من المتقدمين ولم يصل إليها غيره من العلماء الراسخين، ولا يؤخذ عليه إلا أنه أهمل رعاية ترتيب الأصول والأبواب وأطنب في الكلام كل الإطناب، ويعترف بأنه التقط من الكتابين معاقد فوائدهما ومقاصد فوائدهما غير أنه راعى الترتيب مع التهذيب والتحرير مع التقرير وضبط أوابد الإجمالات في كل باب بالتقسيمات اليقينية وجمع متفرقات الكلم في الضوابط العقلية من الاجتناب عن الإطناب الممل والاحتراز عن الاختصار المخل [1] .
وكذلك تأثر ابن الزملكاني (( ت 651 هـ ) )في كتابه (( التبيان في علم البيان ) )المطلع على إعجاز القرآن (( بعبدالقاهر وكتابه دلائل الإعجاز الذي وصفه ابن الزملكاني بأنه جمع فأوعي وأنه فك قيد الغرائب بالتقييد، وهدم سور المعضلات بالتسوير المشيد حتى عاد أسهل من النفس .. ) )ثم يأخذ ابن الزملكاني على كتاب عبدالقاهر بأنه واسع الخطو كثيرًا ما يكرر الضبط، فقيد للتبويب طريد من الترتيب يمل الناظر ويعشي الناظر والمتأمل يلحظ التناقص الواضح في أسلوب ابن الزملكاني فهو أسلوب مصنوع نقض في آخره ما بنى في أوله ليجد ذريعة إلى هذا التأليف الذي سهل الله تعالى جمع مقاصده وقواعده وضبط جوامحه وطوارده، مع فرائد سمح بها الخاطر وزوائد نقلت من الكتب والدفاتر.
(1) انظر البيان العربي للدكتور بدوي طياته ص 334, 335 ط الرابعة.