الصفحة 146 من 156

وكان من خصائص النظم القرآني إخضاع الألفاظ للسياق ومقتضي الحال، من ظروف الكلام والمتكلم، والمعاني التي أريد التعبير عنها. فليس غريب اللفظ - مثلا - بليغًا في ذاته، ولا تصح تسمية لفظ بأنه بليغ، يقول الخطابي: (( وأما ما ذكروه من قلة الغريب في ألفاظ القرآن، بالإضافة إلى الواضح منها فليست الغرابة مما اشترط في حدود البلاغة، وإنما يكثر ) )وحشي الغريب في كلام الأوحاش من الناس، والأجلاف من حفاة العرب، الذين يذهبون مذاهب العنجهية، ولا يعرفون تقطيع الكلام وتنزيله والتخير له، وليس ذلك معدودًا في النوع الأفضل من أنواعه، وإنما المختار منه النمط الأقصر الذي جاء به القرآن وهو الذي جمع البلاغة والفخامة إلى العذوبة والسهولة.

ولاجتماع تلك الخصائص في النظم القرآني اتسم أسلوبه الفريد بكل صفات الأسلوب من الجمال، والقوة، والوضوح. (( وكان من أسرار جمال التعبير القرآني إثارة الأحاسيس النفسية المختلفة. كالرحمة، والحب، واللذة، الألم، والغضب، والخوف، والانتقام.

وفي معرض تلك الأحاسيس يقول الحق سبحانه: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) } [1] *.

وفي سياق آخر يقول تعالى: {سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) } [2] *.

تأمل في الآية الأخيرة لفظة {شَهِيقًا} وانظر لجمال الاستعارة وما أدته من كمال المعاني، إذ حقيقة (( الشهيق ) )هنا الصوت الفظيع كشهيق الباكي، فالاستعارة أبلغ منه، لأن مقدار شدة الغيظ في النفس تدعو إلى شدة انتقام في الفعل، وفي ذلك أعظم الزجر، من أجل تلك المعاني يخاطب القرآن الكريم الغرائز الإنسانية، يستثيرها كاستثارة غريزة الغيظ، وشعور الغضب في النفس، ويخلع تلك الغرائز على النار لتدل على حقدها وتهيؤها للانتقام من الكافرين بابتلاعهم حتى تثبت الخشية، والرهبة، والخوف في النفوس فتذعن للخير وتبتعد عن المعصية )) [3] .

ونلخص من كل تلك الخصائص (( إلى أن القرآن الكريم في أسلوب تأليفه كان له أثر واسع النطاق في الميدان الأدبي، ولا بما فيه من أهداف أخلاقية فحسب، ولكن بما فيه أيضًا من أسلوب جميل معجز

(1) * سورة الإسراء.

(2) * سورة الملك.

(3) انظر أثر القرآن في تطور النقد العربي للدكتور محمد زغلول سلام الطبعة الثانية دار المعارف بمصر 1962 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت