الصفحة 147 من 156

في الجمال أي أن الصورة الأولى وحدها منه هي التي قامتا بدور كبير في تكييف الوضع الفني، والاعتبارات الفنية التشكيلية )) [1] .

وطبيعي أن جمال الصورة يتبع جمال جزئياتها في الحرف وتأليفه واللفظة المفردة، وانتقائها ووضعها في مكانها اللائق بها، وفي التراكيب وأحكامه في الرصف من حيث تلاقي أول منه بآخر.

ومن براعة النظم القرآني ما يسميه البلاغيون، بالتغايير، والمماثلة، والانسجام.

أما التغايير فيعني: مغايرة المعنى مغايرة اللفظ - وهو غير التناقض - ومثال ما جاء النظم فيه متغايرًا بين اللفظ والمعنى قول الحق سبحانه: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} فإن معنى هذه الآية بهذا النظم يغاير قوله تعالى: في نفس المعنى لنظم آخر: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} .

ففي الآية الأولى قدم الله تبارك وتعالى - وعده بالرزق للآباء عن وعده برزق الأبناء، وفي الآية الثانية يأتي العكس، وسبب المغايرة بينهما أن الخطاب في الآية الأولى للفقراء بدليل قوله تعالى: {مِنْ إِمْلَاقٍ} فاقتضت البلاغة تقديم وعد الآباء المملقين بما يغنيهم من الرزق، واقتضت تكميل المعنى بعدة الأبناء بعد عدة الآباء ليكمل سكون الأنفس ولي يبق لها تعلق بشيء.

وفي الآية الثانية الخطاب للأغنياء بدليل قوله تعالى: {خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} فإنه لا يخشى الفقر إلا الغني، أما الفقير ففقره حاصل. فاقتضت البلاغة تقديم وعد الآباء بالرزق، ليشير هذا التقديم، إلى أن الله وحده - هو الذي يرزق الأبناء ليزول ما توهمه الأغنياء، من أنهم بإنفاقهم على الأبناء سيصيرون إلى الفقر بعد الغنى، ثم كمل الطمأنينة بعدتهم بالرزق بعد عدة أبنائهم.

وأما المماثلة: فمعناها تماثل ألفاظ الكلام كلها أو بعضها في الزينة دون التقفية كقوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4) } فالطارق، والثاقب، وحافظ ممتثلات في الزنة دون التقفية.

وقيل: المماثلة تماثل الألفاظ في المعنى مع اختلاف اللفظ .. ويكون مثل هذا في الكتاب العزيز: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} .

وأما الانسجام: فهو أن يأتي منحدرًا كمنحدر الماء المنسجم بسهولة سبك، وعذوبة ألفاظ، وسلامة تأليف ... وهو على ضربين: ضرب يأتي مع البديع الذي لم يقصد، وضرب لا بديع فيه، فمن الضرب الأول قوله تعالى: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) } .

(1) انظر الأسس الجمالية في النقد العربي للدكتور عز الدين السيد ص 187 الطبعة الثانية لعام 1968 م طبعة دار النصر بالقاهرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت