فأنت ترى سهولة هذا النظم، وعذوبة هذه الألفاظ، وما في هذا الكلام من الانسجام، مع ما وقع فيه من التعطف. في قوله تعالى: {إِلَى اللَّهِ} ، {وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ} فإن إنما عدل عن قوله: {وَأَعْلَمُ مِنَ} وهو أوجز من الأول ليأتي في الكلام تعطف يزيده حسنًا، وفيه زيادة خضوع، وترقق مع تمكين فاصلة الآية.
ومثلها الآية التي بعدها. وهي قوله تعالى: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} لوقوع التعطف فيها كالأول.
ومثال الضرب الثاني من الانسجام - وهو الخالي من البديع - قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) } وقوله عز وجل: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123) } وأكثر آي القرآن من شواهد هذه الباب )) [1] .
وتلك الخصائص في نظم القرآن الكريم - أعني التغاير، والمماثلة والانسجام، قد اهتدي إليها البلاغيون بذوقهم المستنير، وأدرجوها تحت اصطلاحاتهم البلاغية، وألحقوها بفن البديع، ولا شك أن وجودها في النظم القرآني أصل فيه من غير تكلف، ووجودها في كلام غيره، إما عن تكلف، أو غير تكلف لكنه في الحسن دون درجة القرآن.
ومن روائع نظم القرآن: اجتماع الحسن له (( حول حرف واحد في الآية يثير النفس ألوانًا من المعاني لا تجدها إذا استبدلت به حرفًا آخر واستمع إلى قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ(55) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (56) } .
ألا تشعر بما حول هذه ألفا من استفهامات تثيرها، فكأن الذين أوتوا العلم والإيمان يقولون لمنكري البعث: ألا تزالوا مصرين على إنكاره؟ وماذا أنتم فاعلون؟ وكيف تلقون ربًا أنكرتم لقاءه )) [2] ؟
وبما أن القرآن الكريم قد بلغ الذروة في البلاغة والإعجاز حرفًا ولفظًا وتركيبًا فقد حوى في نظمه (( جميع قواعد البيان والبديع دون أن يترك قاعدة واحدة منها، ولم يستطيع بليغ من بلغاء العرب وغيرهم من أمم الأرض أن يصل إلى هذا الكمال مهما كان نبوغه.
(1) انظر بديع القرآن لابن أبي الأصبع ص 106, 107, 166 وما بعدها, وإعجاز القرآن البياني للدكتور حفني محمد شرف ص 365.
(2) من بلاغة القرآن للدكتور أحمد أحمد بدوي ص 56 الطبعة الثانية مطبعة نهضة مصر.