ولشدة تماسك أجزاء الآيات وتراكيب الجمل داخلها وتناسق بعضها مع بعض في حسن النظم خيل لبعض من وهم بل غلط حتى قال إن في بعض آيات القرآن شعرًا جاء موزونًا مقفي من غير قصد. ولم يكتف بمثل هذا القول الفاسد بل دعاه اجتهاده السقيم إلى أن يدخل بعض الآيات أو جملا منها تحت بحور الشعر فيعد هذه من الطويل وتلك من الوافر، وأخرى من البسيط.
وما دعاهم إلى ذلك إلا الاتساق بين الألفاظ، والائتلاف بينها وبين المعاني، ولا أرى داعيًا لذكر ما استشهدوا به من الآيات فحاشا القرآن الكريم أن يخضع في نظمه، لقواعد الشعر ومصطلحاته، وأوهام قائليه، وخيالاتهم: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69) } {تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [1] .
ومن أرقى خصائص النظم القرآني (( أن الباحث فيه حيثما قلب نظره وجد أسرارا من الإعجاز اللغوي، منها ما يكمن في نظامه الصوتي البديع بجرس حروفه، ومقاطع فواصله، منها ما هو في ألفاظه التي تفي بحق كل معنى في موضعه، لا ينبو منها لفظ يقال إنه زائد، ولا يعثر على موضع يقال إنه بحاجة إلى لفظ ناقص، ومنها ما هو في ضروب الخطاب التي يتقارب فيها أصناف الناس في الفهم، مع إقناع وإمتاع العاطفة في تكافؤ واتزان، فلا تطغي قوة أحد هذين على الأخرى [2] ) .
وأمثلة تلك الظاهرة في نظمه البديع تصدق على جميع سوره الطويلة منها والقصيرة، وخاصة في بعض الآيات التي تستثير العواطف، ويحتكم أسلوبها إلى دعوة العقول للتدبر، والاتعاظ، كأسلوب الوعد والوعيد والترغيب والترهيب.
من أجل خصائص الإبداع في النظم القرآني، ظاهرة التجدد التي لم يزل القرآن معها حيًا متجددًا يفوق طاقة الدارسين، ولا يزال كذلك حتى يرث الله الأرض ومن عليها، لا تبديل لكلمات الله، فمهما سطا على أسلوب القرآن وتأليفه ملحد - بالتغيير والتبديل - فإن أسلوبه الطري وتأليفه الرائع لا يمكن من تسول له نفسه وتمنيه، أن يصل إلى ما يريد وحسبك فشل مدعي النبوات، ومن سار في ركابهم ممن قلدهم.
والقرآن بتلك الخصائص سيبقى المثل الأعلى لكل فن من فنون البيان الذي اشتهر به العرب، وهم أهل الفصاحة واللسان.
(1) راجع إعجاز القرآن للباقلاني ص 51 وما بعدها الطبعة الثانية تحقيق أحمد صقر مطبعة دار المعارف بمصر, وإعجاز القرآن لحفني محمد شرف ص 361, 362 واللغة الشاعرة لعباس العقاد ص 37.
(2) انظر مباحث في علوم القرآن لمناع القطان ص 267 الطبعة الخامسة مؤسسة الرسالة بيروت.