الصفحة 150 من 156

ومعنى ذلك أن كتاب الله كان مجتمع الخصائص الممتازة التي عرفها العرب وزاد عليها القرآن الكريم ما أعجزهم عن معارضته، والإتيان بمثله مع تحديه البالغ لهم، بعشر سور، بل بسورة، بل بآية أو جملة إذ التحدي عام في الجميع بدليل قوله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) } الآية فقوله بمثل هذا القرآن دليل على التحدي عامة وكان القرآن نمطًا رفيعًا، ونظامًا فريدًا، فيه من القوة والجمال ما قد يخفي على غير أهل الذوق وأرباب البصيرة بالفن الأدبي.

ولذلك لا يعرف فضل القرآن إلا من كثر نظره، واتسع علمه وفهم مذاهب العرب، وافتنانها في الأساليب، وما خص الله به لغتها دون جميع اللغات، فإنه ليس في جميع الأمم أمة أوتيت من العارضة، والبيان، واتساع المجال ما أوتيت العرب )) [1] .

والأمر كما يقول ابن قتيبة (( وللعرب المجازات في الكلام، ومصدر طرق القول ومآخذه، ففيها الاستعارة والتمثيل، والقلب، والتقديم، والتأخير، والحذف، والتكرار، والإخفاء، والإظهار، والتعريض، والإفصاح، الكناية، الإيضاح، ومخاطبة الواحد مخاطبة الجميع، والجميع خطاب الواحد، والواحد والجميع خطاب الاثنين،،والقصد بلفظ الخصوص لمعنى العموم، وبلفظ العموم لمعنى الخصوص، وبكل هذه المذاهب نزل القرآن، ولذلك لا يقدر أحد من التراجم على أن ينقله إلى شيء من الألسنة كما نقل الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية والرومية، وترجمت التوراة والزبور، وسائر كتب الله تعالى بالعربية، لأن العجم لم تتسع في المجاز اتساع العرب.

إنما ذكر ابن قتيبة هذه الفئة لورودها في الكتاب الكريم ولأنه رأى جماعة يطعنون على الكتاب ببعض ما خفي عليهم مما فيه من فنون الأقوال وأساليب الكلام، فأراد أن يبين أن القرآن نزل بألفاظ العرب، ومعانيها ومذاهبها في الإيجاز والاختصار، والإطالة، والتوكيد، والإشارة إلى الشيء وإغماض بعض المعاني حتى لا يظهر عليه إلا اللقض، وإظهار بعضها وضرب الأمثال لما خفي.

ولو كان القرآن كله ظاهرا مكشوفًا، حتى يستوي في معرفته العالم والجاهل لبطل التفاضل بين الناس، وسقطت المحنة، وماتت الخواطر، ومع الحاجة تقع الفكرة والحيلة، ومع الكفاية يقع العجز والبلادة، وكل باب من أبواب العلم من الفقه والحساب والغرائض والنحو، فمنه ما يجل ومنه ما يدق ليرتقي المتعلم في رتبة بعد رتبة حتى يبلغ منتهاه، ويدرك أقصاه ولتكون للعالم فضيلة النظر، وحسن الاستخراج ولتقع المثوبة من الله على حسن العناية.

(1) انظر البيان العربي للدكتور بدوي طبانة ص 32 الطبعة السادسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت