الصفحة 151 من 156

ولو كان كل فن من العلوم شيئًا واحدًا، ولم يكن عالم ولا متعلم، ولا خفي ولا جلي، لأن فضائل الأشياء تعرف بأضدادها، فالخير يعرف بالشر، والنفع بالضر، والحلول بالمر، والقليل بالكثير، والصغير بالكبير والباطل بالظاهر )) [1] .

وبعد، فقد طال بي السير في صحبة هذه السورة الكريمة، والتأمل فيما اشتملت عليه من آيات الروعة والإعجاز. ومع ذلك أشعر بأنني أمام هذا الفيض الزاخر من آيات الحسن والإبداع الذي يمتاز به كلام الله العلي القدير وكأنني أمام بحر لا شاطئ له، كلما حسبت أنني وصلت إلى المراد من هذه الرحلة الطويلة ألفيتني في شوق إلى الاستزادة من هذا المعين الذي لا ينضب. ولكن لكل شيء غاية وأمدًا ينتهي إليه. وقد بذلت من الجهد ما رأيت أن ثمرته تكفي لتكون معلما ًمن معالم عظمة (النظم القرآني) وروعته أسرار إعجازه.

وكان أهم ما توجهت إليه العناية في هذه الدراسة:

1 -الإبانة عن معنى النظم ومفهومه عند أصحاب اللغة، وعند علماء البيان الذين عرضوا له، وارتضوه أهم وجه من وجوه إعجاز الكتاب الكريم. وأشرت إلى سائر وجوه الإعجاز لبيان منزلة هذا الوجه منها وذلك ما تضمنه الفصل الأول من هذه الدراسة.

2 -ثم تناولت النظم في سورة الرعد، فاحصا عن عناصر هذا النظم في جزئياته وكلياته مبتدئًا بالألفاظ المفردة، ومشيرًا إلى اختلاف العلماء والنقاد في تقديم قيمة اللفظ المفرد، وانتهيت إلى مظاهر إحكام التأليف في هذه السورة وفقًا لمقتضيات المعاني التي تضمنتها. وكذلك بحثت عن مظاهر التلاؤم والائتلاف بين أجزاء النظم في هذه السورة، وعن الفواصل ونسقها وأكثر الحروف التي بنيت عليها هذه الفواصل وخصائص كل منها ولم تفتني الإشارة إلى اختلاف العلماء حول ورود (( السجع في القرآن وإيثارهم لفظة ) ) (( الفاصلة ) )على لفظة (( السجع ) )وأدليت بوجهة نظري في ذلك الاختلاف وبسطت الرأي الذي أطمئن إليه.

وكان البحث في هذه المسائل موضوع الفصل الثاني.

3 -ثم خصصت الفصل الثالث لدراسة التصوير البياني في سورة الرعد وتعرضت للآيات التي تعالج أهم الأغراض فيها والمعاني التي وردت للإبانة عنها، عن متانة الأداء ودقته وروعته في التعبير عن هذه المعاني.

4 -ثم عمدت إلى شيء من الموازنة بين خصائص النظم في هذه السورة الكريمة وغيرها من سور القرآن مشيرًا إلى خصائص المفردات والتراكيب والمعاني ونسق الفواصل، وذلك حتى أستطيع وصل هذه السورة الكريمة بسور القرآن الكريم وذلك ما تضمنه الفصل الرابع.

(1) انظر تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص 62 طبعة دار إحياء الكتب بالقاهرة 1954 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت