وتناسقه مع الجمال الموضوعي البالغ حد الكمال، أخذ يفرق في مباحث فقهية وجدلية ونحوية وصرفية وتاريخية وأسطورية! وبذلك ضاعت الفرصة التي كانت مهيأة للمفسرين لرسم صورة واضحة للجمال الفني في القرآن وربطها بالكمال الموضوعي الذي يتجلى فيه )) .
ثم يسوق الأمثلة من القرآن موضحًا فيها طريقة التعبير والتصوير منحيًا باللائمة على السابقين الذين صرفوا جهدهم عن استخراج عناصر الجمال في التعبير القرآني فيقول: (( انظر إلى التعبير الجميل في قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} هذا التعبير الذي يرسم صورة حية للخزي في يوم القيامة ويصور هؤلاء المجرمين شخوصا قائمة تكاد تبصرها العين لشدة وضوحها وتسجيل هيأتها (( نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ ) )وعند من؟ عند ربهم (( ثم هذه الصورة للهول لا تساوي من باحث بلاغي إلا أن يقول: (( وأصل الخطاب أن يكون لمعين وقد يترك إلى غير معين وهو في القرآن كثير كقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} وتستمر التعبيرات المتداولة عن قوم إلى قوم آخرين حول هذا الشاهد وأشباهه من القرآن الكريم.
(( وتطوي تلك الصورة الفنية الحية وتنتهي عند العلماء البلاغة إلى القول: (( تضعيفًا لحالهم التي تناهت في الظهور [1] ويمكن القول: بأن تفسير سيد قطب وكتابيه التصوير الفني ومشاهد القيامة كلها تنبع من روح واحدة وتتجه وجهة واحدة في العناية بالدرس القرآني هي الوصول إلى فهم الصورة الفنية في القرآن ) ).
وبين أيدينا كتاب قيم يعد من المؤلفات الجليلة النفع في الدراسات القرآنية المعاصرة ذلك هو كتاب (( النبأ العظيم ) )للدكتور محمد عبدالله دراز. وهو نظرات جديدة في القرآن الكريم عالج فيها المؤلف بلاغة القرآن وإعجازه وتناول كغيره من الباحثين اللفظة القرآنية والتراكيب واستخراج الأسرار البلاغية في القرآن كالذي نجده في قوله: (( دع عنك قول الذي يقول في بعض الكلمات القرآني إنها (( مقحمة ) )وفي بعض حروفه إنها (( زائدة ) )زيادة معنوية ودع عنك قول الذي يستخف كلمة (( التأكيد ) )فيرمي بها في كل موطن يظن فيه الزيادة .... أجل دع عنك هذا وذاك فإن الحكم في القرآن بهذا الضرب من الزيادة أو شبهها إنما هو ضرب من الجهل مستورًا أو مكشوفًا بدقة الميزان الذي وضع عليه أسلوب القرآن وخذ نفسك أنت بالغوص في طلب أسراره البيانية وقل قولا سديدًا هو أدنى إلى الأمانة والإنصاف [2] .
ويمضي المؤلف متحدثا عن القرآن الكريم في بعض من آياته وسوره ثم يتوج بحثه بحديث مفصل عن سورة البقرة.
(1) انظر تحليل الآية في التصوير الفني في القرآن لسيد قطب ص 280.
(2) انظر البيان العظيم للدكتور محمد عبد الله دراز ص 130, 131 ط الثالثة 1394 هـ مطبعة الكويت.