الصفحة 20 من 156

الإعجاز البياني: وينتظم الأسلوب الفريد الذي يتميز به القرآن الكريم على سائر كلام البشر شعرًا ونثرًا، بانتقاء الألفاظ وتأليفها للتعبير بها عن المعاني قصد الإيضاح والتأثير، وقد تواضع العرب قديمًا وحديثًا على أن للقرآن أسلوبًا خاصًا به مغايرًا لأساليب العرب في الكتابة والخطابة والتأليف حتى كان من خصائص هذا الأسلوب الفريد تعمده الطريقة التصويرية في التعبير، والتناسق بين المدلول والعبارة، وارتفاع التفاوت في طبيعته الزاهية وثوبه القشيب، وتلك الخصائص الجديرة بالتأمل والتدبر لذا جعلها الله منارا على مصدر القرآن ومعلمًا يستدل على كونه من عند الله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) } .

وقد انتظم هذا الوجه من الفصاحة أعلاها ومن البلاغة أشرفها، يقول الإمام الخطابي (ت 388 هـ) : (( إن أجناس الكلام مختلفة ومراتبها في نسبة البيان متفاوتة ودرجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية فمنها البليغ الرصين الجزل، ومنها الفصيح القريب السهل ومنها ومنها ... وهذه أقسام الكلام المحمود .... فحازت بلاغة القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة وأخذت من كل نوع من أنواعها شعبة فانتظم له بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع بين صفتي الفخامة وكان منها آية بينة للنبي الكريم ودلالة واضحة على صحة ما دعا إليه من أمر دينه [1] ) .

الإعجاز العلمي: (( وقد سلك القرآن الكريم في هذا الوجه طريقة الاستدلال على خالق الكون ومنشئه استدلالا فطريًا يتناسب مع جميع العقول والإفهام فتحدثت آية عن كل ما يحيط بالإنسان من عجائب هذا الكون تحدث عن الأرض والسماء، والليل والنهار، والشمس والقمر. وعن الجبال والبحار والرياح والنبات والحيوان، وعن الإنسان نفسه ذلك الآدمي الذي يسخر تلك المخلوقات فيما يزود به معاشه بقدرة الخالق الحكيم كما أشار القرآن إلى حقائق أماط اللثام عن الحكمة من وجودها، أشار إلى حقائق تارة بالتلميح، وتارة بالتصريح، ومرة بالإجمال، وأخرى بالتفصيل، وهو بهذه الطريقة لا يخرج عن هدفه الأساسي الذي هو هداية الناس إلى الصراط المستقيم فليس القرآن كتاب كيمياء أو كتاب فلك وطبيعة ولا ينبغي أن نتوقع منه أن يسوق لنا الحقائق العلمية مفصلة كاملة كما يفعل أي مرجع علمي مختص، ولكنه يسوق الآيات الدالة على وجود الله تعالى طالبًا التدبر والتفكر والإيمان:

(( {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ(9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) } ))

(1) انظر إعجاز القرآن للخطابي ص 7 ورسالة إعجاز القرآن للدكتور مصطفى مسلم ص 81, 82.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت