الصفحة 21 من 156

(( {وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} ) ) (( {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} ) ).

الإعجاز الغيبي: ووجهه اشتمال القرآن الكريم على أنباء الغيب مما كان خافيًا على النبي صلى الله عليه وسلم ولم يشهد حوادثه ولم يحضر وقتها، ولم يكن على علم بتفصيلات تلك الحوادث ولم يقرأ كتابا في ذلك، ويدخل في هذا المفهوم كل ما ورد في القرآن عن بداية نشأة الكون .. وما وقع وحدث منذ خلق الله السماوات والأرض حتى بعث الله في الأميين رسولا نعم ما وقع وحدث من عظيمات الأمور ومهمات السير، وكذلك يشمل ما غاب عن النبي صلى الله عليه وسلم في وقته من الحوادث التي كانت تحدث ويخبر بها بطريق الوحي كإخبار الله له بما يدبره اليهود والمنافقون، ويشمل الأخبار عن الأحداث في مستقبل الزمان وبالتالي يشمل غيب الماضي وغيب الحاضر. وغيب المستقبل فعن الأول يقول القرآن الكريم: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} .

وعن الثاني يقول الله تعالى:

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8) } وعن غيب المستقبل يقول تعالى:

{الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) } .

وقد حدث ما أخبر به القرآن الكريم. فقد دارت رحى الحرب من بعد ذلك وهزم الفرس في بضع سنين. ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ممن حضر هذه الحرب وعرف سبب الغلب [1] .

ومن وجوه الإعجاز عند بعض الفرق من أهل الكلام: القول بالصرفة فقد رافق القول بإعجاز القرآن الكريم، بل كان هذا الرأي هو الباعث الأول للبحث في وجوه الإعجاز وأول من قال به وذهب إليه أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام فقد (( ذهب إلى أن الله سبحانه صرف العرب عن معارضة القرآن مع قدرتهم عليها فكان هذا الصرف خارقًا للعادة ) ).

وقال المرتضي من الشيعة إن معنى الصرفة أن الله سليب العرب العلوم التي يحتاج إليها في المعارضة ليجيئوا بمثل القرآن. فكأن مراد المرتضي من هذا المعنى أن العرب بلغاء يقدرون على مثل النظم والأسلوب ولا يستطيعون ما وراء ذلك مما لبسته ألفاظ القرآن من المعاني إذا لم يكونوا أهل علم ولا

(1) انظر رسالة إعجاز القرآن للدكتور مصطفى مسلم ص 271, 272, 277, 277.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت