كان العلم في زمنهم [1] ) وما قاله بين الخلط لا قبل لعاقل به فإن العرب أهل علم بالفطرة وليس غيرهم ممن أخذ عنهم بأقدر وأعمق في العلوم ولا بأوسع في التفكير. وهم المتحدون الأولون وغيرهم داخل في جملتهم بل التحدي لعلوم من خلق الله من الجن والإنس.
ومثل هذا الرأي قال به ابن سنان الخفاجي في كتابه (( سر الفصاحة ) )إذ يقول: (( وإذا عدنا إلى التحقيق وجدنا وجه إعجاز القرآن صرف العرب عن معارضته بأن سلبوا العلوم التي بها كانوا يتمكنون من المعارضة في وقت مرامهم ذلك .... ومتى رجع الإنسان إلى نفسه وكان معه أدنى معرفة بالتأليف المختار وجد في كلام العرب ما يضاهي القرآن في تأليفه [2] ) .
والمتتبع لأقوال أهل الصرفة يلقي مذهبين أحدهما لطائفة تقول:
بصرف الإرادة والتوجه إلى المعارضة ولو توجه العرب لاستطاعوا معارضة القرآن والثانية تقول بسلب العلوم ولو توجه العرب لما استطاعوا.
ونبرأ إلى الله سبحانه عن كل ما قالوا فجميع ما ذهبوا إليه محط آراء فاسدة ونفوس خبيثة وعقول سقيمة لاتعرف إلا الجدل والمكابرة والعناد.
فكتاب الله سبحانه مفتوح الدفتين لمن أراد التدبر والتفكير لم يصرف عن التبصر فيه أحد لكن من حدثته نفسه بمعارضته سيقضي العمر في طلب المجال فالله سبحانه يقول: (( {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(88) } ))والقرآن كلام الله العزيز الحكيم لا قوة خارقة ولا حكمة بالغة إلا له فثبت الإعجاز لعدم القدرة الثقلين ونقص طاقتهم البشرية وسبحان من بيده ملكوت السماوات والأرض.
الإعجاز بالنظم: وهذا الوجه يجب أن نفصل القول فيه إذ هو محك هذا البحث وصميمه. عارضين لطائفة من أقوال العلماء والمتكلمين ممن تناوله بالبحث والدراسة.
ولا شك أن المتأمل في حروف القرآن الكريم وكلماته لا يجد فيها شيئًا خارجًا عن المألوف المتداول في لغة العرب قديمًا وحديثًا، وعندما نتلوا آيات الله نشعر أن للعبارة القرآنية كيانًا خاصًا يبني عليه تركيب الجملة لرسم معالم الصورة الفنية للنظم القرآني الفريد الذي لا يتفاوت ولا يتباين.
{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) } .
وبعد هذه الإشارة إلى أهم الأقوال التي قيلت في وجوه الإعجاز نخلص إلى أنه ليس لباحث أن يقصر وجوه الإعجاز على ما ذكره السابقون، فإن القرآن الكريم (( معجز في تاريخه دون سائر الكتب،
(1) انظر إعجاز القرآن للرافعي ص 162 ط الثامنة مطبعة الاستقامة القاهرة.
(2) انظر رسالة في إعجاز القرآن للدكتور مصطفى مسلم ص 285.