التلاؤم في المعاني
ما سبق عرضه من الأمثلة والشواهد على التلاؤم في الألفاظ والتراكيب يمكن أن يستدل به على التلاؤم المعاني، ولكن لزيادة الإيضاح نومئ إلى شيء من مظاهر التلاؤم في معاني الآيات في طائفة أخرى.
ومعلوم أن المعاني القرآنية تتحدث عن كل ما من شأنه إثبات الإلوهية لله الواحد الأحد، بل إن الحديث عن الله جل جلاله له الجزء الأكبر من معاني السورة القرآنية جميعها. فالمتأمل يلحظ في كل سورة بل في كل آية معنى يساق (( لضرب المثل الأعلى لله فهو السميع البصير، على كل شيء قدر، غفور رحيم. عزيز حكيم، حي قيوم، واسع عليم، بصير بالعباد، يحب المحسنين. ولا يحب الظالمين، واحد قهار، كبير متعال، عالم الغيب والشهادة، الملك القدوس، السلام المؤمن المهيمن، العزيز الجبار المتكبر، الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى [1] ) .
إلى غير ذلك من معاني الأسماء الحسنى والصفات العلى، بالإضافة إلى المعاني الكونية، ومعاني الأعمال الصالحة. والأعمال السيئة، وذكر الوعد والوعيد، والجنة والنار، والثواب والعقاب، ونحو ذلك من المعاني السامية التي تحدث عنها القرآن جملة وتفصيلا.
وقد عرضت سورة الرعد لكثير من المعاني الرفيعة حيث تحدثت آياتها عن الله جل ثناؤه، في أروع أسلوب، وأبدع تركيب، وجاء المعنى منسقًا متلائمًا مع ما قبله، وما بعده.
فالله هو الذي رفع السماوات بغير عمد، وهذا معنى القوة والعظمة يأتي بعده في جانب ذكر الله قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} وهنا يبرز معنى العلو المطلق الذي يليق بجلال من خلق السماوات والأرض وما فيهن، وما بينها.
وبعده يستمر السياق متحدثًا عن تعاقب الليل والنهار، وهنا معنى القدرة القادرة يأتي بعد كمال المعاني الرفيعة السامية لله تعالى.
وبين تلك الآيات ظلال وارفة تحمل من المعاني سابق أو لاحق. ففي جانب الحديث عن الله يأتي معنى يسوقه قوله سبحانه: {لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) } فالمطلوب هنا هو التصديق والإيمان، ثم معنى عن الكون، وما أودع فيه من نعم ومنافع لصالح كل ما يدب على الأرض، فهناك معنى تسخير الشمس والقمر، ومد الأرض وتفجير الأنهار، وتعاقب الليل والنهار.
(1) انظر من بلاغة القرآن للدكتور أحمد أحمد بدوي ص 253 الطبعة الثانية 1370 هـ مطبعة نهضة مصر.