وبعد تلك المعاني يأتي في السياق ما يلائم ذكرها من معنى التدبر والتفكر. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} . فالتفكر ومعناه هما الغاية السامية لكل ذي عقل ودين.
ويأتي معنى الربوبية والألوهية الخالصة تسوقه الآية الكريمة من قوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ} ، وروعة النظم أن جاء بعد المعنى ما يتطلبه مقام الآية هنا، إذ تسوق الآية الكريمة معنى الإنكار على الكفار لتوحيد الألوهية من قوله تعالى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ويأتي إثبات ذلك في قوله {قُلِ اللَّهُ} .
وتجد معنى القوة والقهر في قوله: {الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16) } يأتي بعده معنى يلائم تلك القوة وهذا السلطان من قوله: {أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} فمن ذا الذي يستطيع إنزال الماء من السماء غير الله؟ ذي القوة والرزق المتين، {أَأَنْتُمْ أَنزلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزلُونَ (69) } [1] *.
وضع بين يديك آيات أخر مما تحدثت عنه السورة الكريمة من المعاني.
يقول تعالى: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعبداللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ} .
لقد رسمت تلك الآية معنى الأمر بالعبودية الخاصة لله لا شريك له، والدعوة إليه لا إلى غيره. والمرجع إليه دون سواه. فالمعاني هنا متلائمة مترابطة. إذ بعد تحقيق معنى العبودية. يأتي معنى دفع الشرك وطرحه، وبعد تحقيق هذين الغرضين يأتي معنى الدعوة إلى الله إيمانًا به وإخلاصًا في عبادته، ولا أجل ولا أشرف من الأعمال بعد تحقيق العبادة ونبذ الشرك شي سوى الدعوة إليه سبحانه، وبعد تحقيق تلك المعاني تومئ الآية الكريمة إلى المعاد من قوله تعالى: (( وإليه مآب ) )حتى يقر في النفس البشرية معنى الجزاء، وما فيه من ثواب أو عقاب.
فإن قلت: ما الصلة، وما وجه التلاؤم بين معنى: (( قل إنما أمرت أن أعبد الله، ولا أشرك به ) )بما قبله؟ قيل لك: هو جواب للمنكرين معناه قل إنما أمرت فيما أنزل إليّ بأن أعبد الله، ولا أشرك به، فإنكاركم له إنكار لعبادته وتوحيده، فانظروا ماذا تنكرون مع ادعائكم وجوب عبادة الله وأن لا يشرك به [2] ).
وتأمل قوله تعالى: (( أفمن هو قائم على كل نفس ... ) )إلى قوله تعالى: (( وما لهم من الله من واق ) ).
فقد رسمت الآيات هنا معنى إحاطة علم الله بكل نفس، ومعنى الإنكار على اتخاذ الشركاء، وتوجب أن يأتي إنكار الشرك والشركاء بعد معنى إحاطة علم الله بكل شيء، ثم ولي هذا الإنكار معنى اتباع الهوى والإعراض عن سبيل الله، وولي هذا الإعراض ما يستحق عليه المعرض من جزاء في الحياة الدنيا، وفي الآخرة. ثم ختم هذا المعنى يذكر عدم القدرة على الإفلات من عذاب الله في الحالين.
(1) * سورة الواقعة 69.
(2) انظر الكاشف الزمخشري ص 362 طبعة دار الفكر بيروت.