التلاؤم في جو السورة العام
مر معنا فيما سبق: أن أجزاء النظم ثلاثة، اللفظ المفرد، والتركيب والمعنى، ولكل جنس من هذه الأجناس جزئيات تقوم به، وتعتمد عليه، فاللفظ المفرد جزئياته الحروف، وأصواتها، ومخارجها، والتركيب جزئياته اللفظة مع أختها، والتصرف في طريقة النظم، والمعنى جزئياته بما قبله، وما بعده.
وملاءمته لسابقه ولاحقه، وقد تحدثنا عن مظاهر التلاؤم بين تلك الأجناس والجزئيات كل منها على حدة، فجدير بنا الحديث عنها مجتمعة لندرك شيئًا من مظاهر التلاؤم وإحكام النظم في جو السورة العام.
إن أول ما يستوققنا في ذلك هو وجه ملائمة سورة الرعد لما قبلها من السور، وبيان صلتها به. ويتضح ذلك في أن الله سبحانه: (( ذكر في سورة يوسف التي هي قبل سورة الرعد قوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ(105) } فأجمل سبحانه الآيات السماوية والأرضية في هذه الآية من سورة يوسف. ثم جاء بها مفصلة في سورة الرعد [1] .
ولما كانت كل سورة تشتمل على عدد من الآيات القرآنية، وهذه الآيات لها وجه صلتها الوثيق. فيما بينها في الترتيب والتركيب. والملائمة فإننا نلحظ وجه الملائمة بين آيات سورة الرعد تبرز في تناسق الترتيب ودقة التركيب. وبنظرة على آياتها نجدها متناسبة مع المعاني وخصائصها ونجد تفاوتها بين الطول والقصر متقابلا لتنوع المعاني [2] وهذا من أبرز مظاهر التلاؤم بين أجزاء النظم في جو السورة العام.
وإذا أردنا مزيد من الإيضاح للتلاؤم بين أجزاء النظم في هذه السورة فإننا نجدها من شطرين الأول: (( لعرض المشاهد الهائلة في آفاق الكون، وفي أعماق الغيب وفي أغوار النفس [3] ) من ذلك قول الله تعالى في أول السورة: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى} وقوله: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} وقوله: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ} .
(1) سورة يوسف الآية 105.
(2) روح المعاني للألوسي الجزء 13 ص 84 مطبعة إحياء التراث العربي بيروت.
(3) من منهل الأدب الخالد لمحمد المبارك ص 13 بتصرف (1) ظلال القرآن لسيد قطب الجزء 5 ص 87.