الصفحة 85 من 156

هذه الآيات تتحدث عن الكون وما فيه من الدلائل التي تبرهن على وجود خالقه ومدبره، ويعقبها في السياق آيات أخر عن علم الله بالغيب ومظاهر التلاؤم في جو الآيات ظاهرة لكل ذي عين وبصيرة، فإنه سبحانه لما أجمل آيات الكون وبسطها، أتبعها بآياته الدالة على واسع علمه المحيط بكل شيء.

ولذا ولي تلك الآيات قوله تعالى: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ} ... الآية إلى قوله تعالى: {مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) } .

ويظل السياق مستمرًا في لمسات تسير أغوار النفس، وتحرك كوامنها من أمن وخوف، ويأس ورجاء. نلحظ ذلك في ثنايا الآيات التالية: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} الآيات إلى قوله: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ} .

أما الشطر الثاني من السورة: (( ففي عرض لمسات وجدانية وعقلية، وتصويرية دقيقة حول قضية الوحي والرسالة، وقضية التوحيد، والإشراك بالله [1] ) وهذا ما تشير إليه الآيات الكريمة التالية: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14) } الآيات إلى قوله: (( بل لله الأمر جميعًا ) ).

ويستمر هذا الشطر من السورة في قضية الوحي والرسالة، وبيان موقف المؤمنين، وموقف الكافرين من ذلك، ثم التعقيب بعد ذكر كل فريق بما يستحق من ثواب أو عقاب. ويشير السياق إلى تلك القضايا بقوله تعالى:

{مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (35) } .

والمتتبع لهذا الشطر يلمس مظاهر التلاؤم العجيب، والرصف البديع بين كل آية وأخرى في جو السورة من أولها إلى آخرها.

ويمكننا استخلاص مظاهر التلاؤم في جو السورة العام فيما يلي:

1 -(( بدأ الكلام في أول السورة بالتنويه بمكانتها، ومكانة غيرها مما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه الحق الذي لا مرية فيه.

2 -هذا الحق لا مرية فيه ينبغي أن يؤمن به العقلاء لأنه قضية العقل ولكن واقع الناس بخلاف ذلك فأكثرهم لا يؤمنون.

(1) ظلال القرآن لسيد قطب الجزء 5 ص 87 مطبعة بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت