الدليل الأول: عَنْ عَائِشَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ، فَذَكَرَتْ لَهُ مَا رَأَتْ فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ العَبْدُ الصَّالِحُ، أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ» [1]
الشاهد من الحديث: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -"أولئك شرار الخلق"بعد قوله:"أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ العَبْدُ الصَّالِحُ، أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ يدل على أن حكم كونهم من شرار الخلق علق على بناء المساجد على القبور و تصوير الصور أي من أسباب كونهم من شرار الخلق: بناء المساجد على القبور و تصوير الصور مما يدل أن بناء المساجد على القبور حرام."
ولأن هذا كان أصل عبادة الأصنام، فيما يذكر، كانوا قديمًا إذا مات فيهم نبى أو رجل صالح صوروا صورته وبنوا عليه مسجدًا ليأنسوا برؤية صورته، ويتعظوا لمصيره ويعبدوا الله عنده، فمضت على ذلك أزمانٌ، وجاء بعدهم خلف رأوا أفعالهم وعباداتهم عند تلك الصور ولم يفهموا أغراضهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم، وألقى إليهم أنهم كانوا يعبدونها فعبدوها [2] .
و قال الشيخ عبد الرحمن بن محمد - رحمه الله: (الذين بنوا هذه الكنيسة جمعوا فيها بين فتنتين، ضل بهما كثير من الخلق، فأما فتنة القبور فلأنهم افتتنوا بقبور الصالحين، وعظموها تعظيما مبتدعا، فآل بهم إلى الشرك. وأما فتنة التماثيل- أي الصور- فإنهم لما افتتنوا بقبور الصالحين، وعظموها وبنوا عليها المساجد، وصوروا فيها تلك الصور، آل بهم الأمر إلى أن عبدوها، وهاتان الفتنتان هما سبب عبادة الصالحين، كاللات والعزى وود وغيرها، وهذه العلة
(1) - رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 434, ورواه مسلم في صحيحه حديث رقم 528
(2) - إِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم للقاضي عياض 2/ 450