إن رجوع أهل الإيمان، والذين علت مرتبتهم في الإحسان، وفازوا بالجنة والإنعام، إلى الدنيا ليذوقوا الأمراض والأسقام, ومرارة الحياة، وسكرات الوفاة، تخالف تعاليم القرآن، وكلام رسول الرحمان، قال تعالى {إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين} واعلم أيضا أن أبا بكر الصديق، لما أكد بموت الرفيق، ما كان جاهلا بهذه الآية، ولما استدل ب {إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين} وأية {وما محمد إلا الرسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين} [سورة آل عمران 144] إلا أن الرسول قد مات موت الحقيقي، لكن الصحابة لم يردوا عليه وما كانوا في الاسترابة، وما قالوا أيها الصديق، لقد أخطأت في قولك هذا على الرفيق، ألم تقرأ الآية {ثم بعثناهم} فإن الله قد أحيا بعض الناس إلى الدنيا قبل يوم القيامة، لكنهم لم يفعلوا شيئا من ذلك بل أغلقوا أفواههم عن القول بالإنكار، وقبلوا قوله في الآصال والأبكار, وبكوا ودموعهم تسيل من أعينهم، وقالوا {إنا لله وإنا إليه راجعون} قالوها فيما بينهم، وإذا ثبت أن الصحابة لم ينكروا وفاة الرسول، وآمنوا بكلام أبي بكر ومالوا إليه بالقبول، وكانت قلوبهم مليئة بعلوم القرآن، وصدورهم أصبحت مأوى لتعليم الفرقان، لم يخالفوا الخليفة الأول، حتى الإمام علي لم يرفع صوته بالقول، إنه لم يمت بدليل جليي، رغم كونهم قريب العهد بالنبي، ولماذا تخالف عليا صنوة النبوة، وتقول إنك فيه أسوة؟
وأما الذي قلت من إحياء الموتى، فإنا إذا قايسنا بينهما سنكون في الفوضى، إن إماتة الأحياء، من الله خالق السماء، لساعة واحدة من الزمان، ثم إحياؤهم من غير توقف كما نجد تفصيله من القرآن، فهو أمر ليس له في هذه العقيدة من العلاقة، وهو سر من أسرار الله رب الملائكة، وليس هناك أثر أنها كانت حياة حقيقية، فرجعوا إلى الدنيا وإلى شهواتها، وشاركوا الناس في جمع الأموال، وكسب الأعمال، وتزويج النساء، وإنجاب الأبناء، وبناء المساكن, وزرع المزارع، فرجعوا إلى الحال التي كانوا يعيشون من قبل، فإن هذا يخالف مطالب القرآن، وتعاليم الفرقان، بل هو أمر لا يتفق مع كلام الرسول {ص} فإن رجلا من الرجال، أو جماعة من قديم الأجيال، إذا رجعت إليه الحياة، بعد أكثر من ألف عام من الوفاة، بفعل الله خالق السماء، أو بدعوة نبي من الأنبياء، ثم أميت في أسرع وقت بدون توقف، وأرجع إلى الموت بلا تعطف، وما وسع الوقت أمامه للرجوع إلى بيته وأهله، وما كانت الخيرة بيده في زيارة أسرته وآله، وما مكث في الدنيا ليعود إلى شهواتها ولذاتها، بل رجع فورا ولحق بالذين هم ميتون، فلا ينبغي أن تقارن هذا بعقيدتكم، بل نسمي هذا آية من آيات الله رب العالمين، ومعجزة من معجزات الأنبياء والمرسلين.