وكان عالم من علماء السنة واقفا على مقربة منه فقال له: إنك تكلمت في موضوع {الرجعة} لمحا، وتكلمت في غيره صفحا, وكانت صاغية إليك الآذان، فأطلق الآن عنان اللسان، وقل لي ما الرجعة؟ فالتفت إليه قائلا: الرجعة كما يشهد مسماه، وتفهم معناه، إن الله المنان، سيرجع قوما ماتوا في قديم الزمان، من الذين علا شأنهم في الفساد والافتضاح، وملأ في أرجاء الدنيا سمعهم من أجل الإصلاح، ليعذب المسيء والظالم، وليجازى المصيب والمظلوم، ويكون ذلك قبل يوم القيامة، وهو خبر أتانا من الأئمة أهل السلامة, وما لي أراك حزينا عبوسا هكذا كأنك في شك من جوابي هذا وقد قال الله تعالى {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحي هذه الله بعد موتها فأماته الله مئة عام ثم بعثه} [سورة البقرة] وربما يختلج في ذهنك، ويتخيل في قلبك، أن الرجوع إلى الدنيا ممتنع لم يحدث مثله في قرون الأولى، اعلم أن الرجوع إلى الدنيا إذا كان ممتنعا فلماذا قال الله تعالى {ثم بعثه} ومادام الأمر واضحا، والدليل ناجحا، فأي حرج والمضايقة، في أن تنكر عقيدتنا ولا تظهر القبول والموافقة.
قال إنني لا أحفل بهذا الكلام، ولا أهتم به غاية الاهتمام، واعلم أن الآية {إلا موتتنا الأولى وما نحن بمبعوثين} كانت محل الاستدلال، وموضع الاستناد والمقال، من الخليفة الأول، لما اختلف الناس في موت الرسول، فقال عمر إنه ما مات، وسوف يرجع إلى الدنيا بالعلامات، فأنكر هذا القول الصديق، وقال إنه مات فعلا بالتحقيق، وذهب إلى بيت عائشة أم المؤمنين، وكانت روحه قد رجعت إلى رب العالمين، وجثته على الفراش مغطاة برداء، ونزعه عن وجهه وقبله بالبكاء، وقال طبت حيا وميتا، لقد بلغت الرسالة وأديت الأمانة، ولن يجمع الله علي المؤمنين إلا الموت الأول، وإنك لعالم أن أبا بكر الصديق، واحلف بالله رب البيت العتيق، لم يرغب في إهانة عمر بهذا البيان، وما رأى أن من إكرامه أن يقدم رأيه على القرآن، بل رأى أن من الخير والنصيحة، أن يرجعه إلى عقيدة صحيحة.