أغص الجزيرة، وارتفع رغاؤها إلى عنان السماء، ولم يكن أهل الجزيرة رأوا جملا قط. ولا خيلهم فصارت الخيل تجمع من رؤية الجمال ومن رغائها، وكان ليوسف في عبور الجال رأي مصيب، فكان يحدق بها عسكره، ويحضرها للحرب. ثم عبر يوسف البحر عبورا سهلا حتى أتى الجزيرة الخضراء، ففتحوا له، وخرج إليه أهلها بما عندهم من الأقرات والضيافات. وأقاموا له سوقا جلبوا إليه ما عندهم من سائر المرافق، و أذنوا للغزاة في دخول البلد والتصرف فيه، فامتلأت المساجد والرحبات بالمتطوعين، وتواصوا بهم خيرة.
وأعاد يوسف بن تاشفين تنظيم قواته ووجهها إلى اشبيلية على أحسن الهيئات جيشا بعد جيش، و أميرة بعد أمير، وقبيلا بعد قبيل، وبعث المعتمد ابنه إلى لقاء يوسف. وأمر عمال البلاد يجلب الأقوات والضيافات، ورأى يوسف من ذلك ما سره ونشطه، وتواردت الجيوش مع أمرائها
على اشبيلية، وخرج المعتمد إلى لقاء يوسف من اشبيلية في مائة فارس ووجوه أصحابه. وكان اللقاء بين القائدين حارة حمل كل آمالهما وتطلعاتها للنصر. ثم افترقا وعاد يوسف حلته، وابن عباد لجهته.
والحق ابن عباد ما كان أعده من هدايا و تحف وضيافات أوسع بها على محلة يوسف بن تاشفين، وباتوا تلك الليلة، فلم أصبحوا وصلوا الصبح، ركب الجميع وأشار ابن عباد على يوسف بالتقدم ففعل، ورأى الناس من عزة سلطانه ما سرهم، ولم يبق من ملوك الطوائف بالأندلس الا من بادر أو أعان وخرج أو أخرج، و كذلك فعل الصحراويون مع يوسف، كل صقع من أصقاعه رابطوا
(1) جاء في الروض المعطار 87 وصفا للقاء القائدين فيه: «لا أني المعتمد محلة يوسف ركض نحو القوم ورکضوا نحوه، فبرز إليه يوسف وحده، والتقيا منفردين، وتصافحا وتعانقا، واظهر
كل منهما لصاحبه المودة والخلوص، وشكرا نعم الله تعالى، وتواصيا بالصبر والرحمة، وبشرا أنفسها با استقبلا. من غزو أهل الكفر، وتضرعا إلى الله تعالى في أن يحمل ذلك خالصا لوجهه. مقربا إليه، وافترقا.