الصفحة 114 من 296

وفي تلك اللحظة الصعبة التي وصلت فيها القلوب إلى الحلوق وزاغت فيها الأبصار، ظهرت طلائع قوات الصحراء. وكان أول من وافي ابن عباد من فواد ابن تاشفين و داود بن عائشة، وكان بطلا شجاعا شهما، فنفس بجينه عن ابن عباد. ثم أقبل يوسف بعد ذلك، وطبوله تصمد أصواتها في الجو. فها أبصر. ألفونسو وجه حملته إليه وقصده معظم جنوده، فبادر إليهم السلطان يوسف وصدمهم بجمعه فردهم إلى مر کزهم. وانتظم شمل ابن عباد و استنشق ربح الظفر وتباشر بالنصر.

كانت معركة مريرة، تناوب الطرفان فيها حمل راية النصر مرات عديدة، وخاضت قوات ألفونسو معركتها بين مطرقة ابن عماد وسندان ابن تاشفين. ثم صدقوا جميعا الحملة، فتزلزلت الأرض بحوافر خيولهم، و أظلم النهار بالعجاج والغبار، وخاضت الخيل في الدماء، وصبر الفريقان صبرة عظيما. ثم تراجع ابن عباد إلى يوسف وحمل معه حملة جاء معها النصر، وتراجع المنهزمون من أصحاب ابن عباد حين علموا بالتحام الفئتين وصدقوا الحملة، فانكشف الطاغية، ومر هاربا منهزما وقد طعن في إحدى ركبتيه طعنة بقي بخمع بها طيلة عمره (1) وبدأ جند ألفونسو بالفرار، فولوا ظهورهم وأعطوا أعناقهم و السيوف تصفهم والرماح تطعنهم، إلى أن لحقوا ربوة لجأوا إليها واعتصموا بها، وأحدقت بهم الخيل.

(1) جاء في ابن خلكان 111/ 1 وصف لتأثير المباغتة على معسكر المعتمد بن عباد كما يلي: و نزل ابن تاشفين على أقل من فرسخ من معسكر العدو في يوم الأربعاء، وكان الموعد في الناجزة في يوم السبت، فغدر الأذفونش ومكر. فلا كان سحر يوم الجمعة منتصف رجب، أقبلت طلائع اين عباد والروم في أثرها، والناس على طمانينة، فبادر ابن عباد للركوب، وبث الخبر في العساكر فاجت بأهلها، ووقع البهت، ورجفت الأرض، وصار الناس فوضى على غير تعبئة ولا أهبة، ودمتمم خيل العدو، فأحاطت بابن عباد، وحطمت ما تعرض لها، وتركت الأرض حصيداء وجرح ابن عباد جرحا أشراه، وفر رؤساء الأندلس وتر کوا علاتهم وأسلموها، وظنوا أنه وفي لا يرقع، ونازلة لا تدفع، وظن الأدفونش أن السلطان يوسف في المنهزمين ولم يعلم أن العاقبة للمتقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت