فهرس الكتاب
وكانت المدينة قد أضحت في الواقع تحت رحمة صلاح الدين، وصار بوسعه اقتحامها متى شاء. وقد كان له بداخل المدينة عدد كبير من الأصدقاء ذوي النفوذ والسلطان، في اتسمت به الكنيسة اللاتينية من الغطرسة، أثارت دائما نفور المسيحيين الأرثوذكس الذين يؤلفون غالبية السكان الفقراء بالمدينة ..
ولم يقع شقاق فمه بين رؤساء الطوائف الدينية، فالأسرة الملكية والنبلاء العلمانيون أظهروا المودة والاحترام لرجال الدين الأرثوذكس في كل الجهات - ما عدا أنطاكية - غير أن الطبقة العليا من هيئة رجال الدين كانت باجمعها من اللاتين. ففي المشاهد الكبيرة المرتبطة بعقيدتهم، كان لزاما على المسيحيين الوطنيين أن يشهدوا طقوسا كانت لغتها وشعائرها غريبة عنهم. فتطلعوا بشغف إلى الأيام التي كان بوسعهم فيها زمن الحكام المسلمين أن يمارسوا عبادتهم كيفما شاؤوا. ووثق صلاح الدين في عالم مسيحي أرثوذكسي من بيت المقدس اسمه. يوسف بابيطي، فاتخذه مستشارة في كل معاملاته مع الأمراء المسيحيين. وبفضله استطاع الاتصال بالجماعات الأرثوذكسية في داخل المدينة، فوعدوا بفتح الأبواب اصلاح الدين.
والواقع، لم يكن صلاح الدين بحاجة لتدخل الجماعات الأرثوذكسية لاقتحام مدينة القدس. إذ لم يلبث و بالبان، - عندما علم بفشل الوفد - أن أرسل إلى صلاح الدين يطلب الأمان لنفسه ليحضر عند صلاح الدين في هذا الأمر وتحريره. فأجيب إلى ذلك، وحضر عنده، ورغب في الأمان وسأل فيه، فلم يجبه إلى ذلك، واستعطفه فلم يعطف عليه، واسترحمه فلم يرحمه.
وأعلن صلاح الدين أنه سبق أن أقسم بأنه سوف بنال بيت المقدس بجد"السيف، ولن يحلله من ه ذه اليمين غير إذعان المدينة بدون قيد أو شرط، وأخذ يذكر باليان با ارتكبه المسيحيون سنة 492 م = 1099 م من المذابح وتساءل: «ألا ينبغي أن يحذو حذوهم؟ وبينما كانا يتحه ثان اندلع القتال، وأشار صلاح الدين إلى أن لواءه ق د ارتفع على سور المدينة، غير أن حلمية"