الصفحة 262 من 296

مثله. ولم يتمكن نور الدين من تحقيق أهدافه، فقد وافته المنية .. وعندما فتح صلاح الدين القدم، أمر باحضار المنبر من حلب ونصب بالقدس وكان بين عمل المنبر وحمله ما يزيد على عشرين سنة.

انصرف صلاح الدين لإعادة تنظيم أمور المدينة المقدسة والواقع أن المسلمين الظافرين اشتهروا بالاستقامة والانسانية، فبينما كان الصليبيون منذ ثمان وثمانين سنة يخوضون في دماء المسلمين، لم تتعرض الآن دار من الدور للنهب، ولم يحل بأحد من الأشخاص مكروه إذ صار رجال صلاح الدين - الشرطة - يطوفون بالشوارع والأبواب. لمنع كل اعتداء يقع على المسيحيين.

وفي تلك الأثناء حرص كل مسيحي على أن يلتمس المال اللازم لافتدائه، وأخذ باليان كل ما في بيت المال من الأموال لدفع ما وعد به من أموال الاقتداء وقدرها ثلاثون ألف دينار. ولم يخرج الاسبتارية والادارية عن شيء من أموالهم إلا بصعوبة. ولم يحفل البطرك هرقل وهيئة الكنيسة إلا بانفسهم ودهش المسلمون حينما رأوا البطرك يؤدي عشرة دنانير - مقدار الفدية المطلوبة منه - ويغادر المدينة وقد انحنت قامته لثقل ما يحمله من الذهب، وقد تبعته العربات التي تحمل ما بحوزته من الطنافس والأواني المصنوعة من المعادن النفيسة» (1) .

(1) تاريخ الحروب الصليبية 2/ 702 - 703، ويقابل ذلك ما أورده ابن الأثير في الكامل /

9 18: «كان بالقدس بعض نساء الملوك من الروم وقد ترهبت وأقامت به ومعها من الحشم والعبيد والجواري خلق كثير. ولها

من الأموال والجوامر النفيسة شيء عظيم، فطلبت الأمان لنفسها ومن معها، فأمنها وسيرها. وكذلك أيضا أطلق ملكة القدم التي كان زوجها الذي أسره صلاح الدين قد ملك الفرنج بسببها، ونيابة عنها كان يقوم باللك. وأطات مالها وحشمها، واستاذنته في المسير إلى زوجها، وكان حينئذ محبوسا بقلعة نابلس، فأذن لها، فأتته وأقامت عنده ... وخرج البطريرك الكبير الذي لافرنج ومعه من أموال البيع منها الصخرة والأقصى والقيامة وغيرها ما لا يعلمه إلا الله تعالى. وكان له من المال مثل ذلك، فلم يعرض له صلاح الدين، فقيل له: ليأخذ ما معه يقوي به المسلمين، فقال: لا أغدر به»

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت