الصفحة 20 من 290

إن العولمة تعني أشياء مختلفة مرتبطة باختلاف المجتمعات المعنية، ولكنها بالتأكيد لا تعني أننا نشهد مدة سلم واستقرار عالميين. وإذا كان النظام العالمي الليبرالي الرأسمالي الذي روجت له الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها، بقصد دحر الشيوعية، قد خلق فرصة ممتازة لتحقيق الذات على المستوى الفردي واستثمار الطاقات الوطنية الكامنة في القرن الحادي والعشرين، فقد خلق في الوقت ذاته بيئة للأفراد والمؤسسات والدول لاستغلال تلك الفرصة لتحقيق أهدافها الخاصة. ونتيجة لذلك، فإن الولايات المتحدة الأمريكية نجد نفسها في مواجهة تهديدات جديدة وإمكانية عودة التهديدات القديمة. فالإرهاب الديني، وعصابات الجريمة المنظمة، والقوميات المتمردة، والخصوم الذين أصبحوا يتجرؤون على أمريكا، والحلفاء والأصدقاء الذين يتبنون مواقف مختلفة عن مواقفها، جميع ذلك من المستجدات التي تسم هذه الحقبة الجديدة. وبالفعل، لم تشهد البيئة الاستراتيجية الحالية صيغة مقبولة لإرساء الاستقرار في النظام العالمي الجديد في القرن الحادي والعشرين. وتفاقمت هذه المشكلة بالنسبة للولايات المتحدة، لأن الإجماع المحلي الذي ضمن استمرار الوحدة الوطنية والهوية الأمريكية خلال زمن الحرب الباردة، تبعثر بسبب النجاح الذي أحرزته الولايات المتحدة والانتهازية الداخلية التي أعقبت الانتصار، والتي تفشت في السياسة والتجارة والأعمال والمشروعات الفردية. والمأزق الذي تجد الولايات المتحدة نفسها فيه اليوم أكبر من أي وقت مضى في تاريخنا، فهي تسود القرن الحادي والعشرين ولكنها من الناحية الاستراتيجية في ورطة لا تعرف مخرجا منها.

ومن المفارقات أن قادتنايبدون، وعلى نحو متزايد، غير مؤهلين للتفكير الاستراتيجي، في وقت نحن فيه بأمس الحاجة إليه، ويبدو أن"المناوشات الكلامية"حلت محل الجدل الوطني حول السياسات والاستراتيجية. وأصبح المازق شديد الوضوح إلى درجة يبدو معها أنه ليس هناك مفر من الإخفاق الشامل في عمليات صياغة السياسات والاستراتيجية، في كل مفاصل الحكومة وأجهزتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت