في مزرعة صغيرة وسط التلال المتموجة بنعومة، كان هناك كلب مرح من فصيلة اللابرادور اسمه"سارتر". كان سارتر يقفز كل يوم من فوق سياج في الجزء الخلفي من المزرعة، ليجري وسط الغابات ويلاحق السناجب. في نهاية المطاف تفكك السياج محررا سارتر المسكين من عبء الاضطرار إلى القفز في كل مرة يريد أن يمرح؛ لكن سارتر ظل يقفز كل مرة يأتي فيها إلى البقعة التي كان بها الحاجز. لقد طور مجموعة من الذكريات والافتراضات جعلت من المستحيل تقريبا بالنسبة له أن يلاحظ أن السياج لم يعد موجودا.
كان سلوك سارتر مشابها في بعض جوانبه لسلوك الشخصيات الرئيسية الثلاث في No Exit، وهي مسرحية شهيرة من تأليف الفيلسوف الوجودي الفرنسي الذي شمي الكلب على اسمه، جارسين، واستل، وإنيز سجناء في الجحيم (بغرفة تشبه الصندوق) ، وهم يتوقون إلى ترك تلك المساحة الخانقة. رغم ذلك في اللحظات الأخيرة من المسرحية، عندما بنفتح الباب فجأة، ويصبح الثلاثة أحرارا للرحيل، فإنهم لا يحركون ساكنا، لذعرهم من أن يخطوا صوب المساحة المجهولة بالخارج.
قد تبدو غلطة الكلب مضحكة، ومعاناة شخصيات جان بول سارتر المثيرة للشفقة خرقاء قليلا، إلا أن تلك الحكايتين تكشفان النقاب عن حقائق عميقة عن الطبيعة البشرية
بخلق جميعنا كل يوم عددا لا نهائيا من القوالب الذهنية -أو ما سنشير إليه هنا باسم"الصناديق"- لجعل العالم مفهوما. كثير من هذه الصناديق ستمد لك يد العون لفترة، كما ساعد أسلوب القفز من فوق السياج الكلب سارتر لسنوات. لكن يمكنها كذلك أن تعوقك عن التقدم، ونجعل ملاحظة التغيرات من حولك أمزا صعبا، تجذبنا عقولنا تجاه المألوف، لذا نتشبث بصناديق قديمة ربما لم تعد ذات