الصفحة 28 من 150

تقدم لنا المرحلة العثمانية السياق اللازم لفهم الثقافة السياسية للدول التي جاءت بعدها. فمنذ عام 1516 وحتى عام 1918، حكم الأتراك العثمانيون معظم الأراضي العربية بالشرق الأوسط من القسطنطينية استانبول الآن». وكان كل السلاطين الحاكمين جميعا منحدرين من نسل عثمان، المؤسس التركي للإمبراطورية العثمانية. وكانت امبراطوريتهم ملكية إسلامية متعددة الأعراق. وداخل هذه الامبراطورية الآيلة للسقوط، ظلت الجماعات العرقية. الدينية مستقلة ثقافيا، فقد احترمت الحكومة العثمانية عاداتهم وقوانينهم الخاصة، وقامت بحمايتها. ورفض العثمانيون الأول أيضا المقولة الغريبة الخاصة بالمساواة بين الدول ذات السيادة وقاموا بدلا من ذلك بتقسيم العالم إلى منطقتين: دار الإسلام، حيث تسود قوانين الإسلام، ودار الحرب، حيث يجب على المسلمين شن الحرب المقدسة «الجهاد» ضد الكفرة. وكان هدف الحكومة تمكين المجتمع الإسلامي من القيام بواجبه تجاه الله. والفصل بين الكنيسة والدولة، ذلك الأمر الجوهري في النظرية السياسية الغربية، لم يكن موجودا.

وابتداء من أواخر القرن الثامن عشر، توافق الانحلال الداخلي اللامبراطورية العثمانية مع تنامي القوي الأوروبية. ونتيجة لهذا التحول في ميزان القوي، خضعت القواعد الإسلامية للتقاليد والممارسات الدبلوماسية الأوروبية، وفي النهاية سادت الأفكار الأوروبية الخاصة بكيفية تنظيم المجتمع العالمي. ومع ذلك فإن التراث العثماني له أهميته لأن الكثير من رجال الدولة والعسكريين والإداريين في الدول التي خلفت الامبراطورية العثمانية قد انطلقوا من الثقافة السياسية العثمانية.

شهدت المرحلة العثمانية نهايتها مع نهاية الحرب العالمية الأولى، وبدأت المرحلة الأوروبية، التي لعبت خلالها بريطانيا وفرنسا أدوارا رائدة، مع نهاية الحرب العالمية الأولى واستمرت حتى أزمة السويس 1901. وأثناء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت