الصفحة 48 من 150

كان النظام الجديد له عواقب بعيدة المدى، حيث وضع السؤال الذي مدته قرن من الزمان، من الذي سوف يخلف العثمانيين؟ ولكنه أيضا أثار أسئلة جديدة: هل تقبل شعوب المنطقة نظام دولة قائم على الأفكار والمصالح والإدارة الأوروبية؟ وهل هم راغبون في الخضوع للقوانين الأرضية الجديدة؟ والإجابة هي أن القوى المحلية ذات النفوذ، الدينية والدنيوية، رفضت الاثنين معا. والواقع، أن غياب الشرعية وعدم الموافقة على قواعد اللعبة السياسية الجديدة، كان سمة أساسية لسياسات الشرق الأوسط منذ ذلك الحين.

وبالنسبة للقوميين العرب، كان النظام الجديد يعني خيانة الوعود التي قدمها الحلفاء وقت الحرب، وكان يعني الاحتلال العسكري وتقسيم المنطقة إلى دوائر نفوذ واستغلال ثروتها الطبيعية. كما أن زرع ما اعتبره الكثيرون رأس جسر إمبريالي خطير - أي وطن قومي لليهود - في فلسطين قد أشعل العداء تجاه صناع النظام الجديد.

بإيجاز، خلق نظام ما بعد الحرب الذي فرضته بريطانيا وحلفاؤها حزاما من الاهتياج وعدم الاستقرار يمتد من البحر المتوسط إلى الخليج الفارسي، فتدمير الإمبراطورية العثمانية لم يتبعه نظام جديد ولكن فوضى جديدة - أعراض ما بعد الدولة العثمانية. وعواقب ذلك بقيت حتى اليوم. .

وعلى ذلك فإن تسوية سلام ما بعد الحرب العالمية الأولى ليست مجرد فصل في التاريخ ولكنها خلفية ضرورية للسياسة المعاصرة. إنها تكمن عند جذور الصدامات السياسية التي لاتنتهي والنزاعات الإقليمية وكفاحات التحرر القومي والحروب بين الدول والتي أصبحت سمات شائعة في سياسات الشرق الأوسط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت