الصفحة 100 من 174

تنعکس مرحلتا سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم هاتان، مرحلة المقاومة ومرحلة الحكم في القرآن الكريم؛ حيث تفرض على المؤمنين في مواضع مختلفة منه طاعة ممثل الله وعصيان فرعون، مثال الحاكم الظالم المتجر، ألهم وجها حياة النبي وعمله هذين تقليدين إسلاميين، أحدهما يخضع الأفراد لمصلحة الدولة بهدوء، والآخر راديکالي ناشط. انعکس کلاهما بإسهاب، في تطور التقليد من جهة، وفي كشف الأحداث من جهة أخرى. لم يكن تقرير من هو ممثل له، ومن هو فرعون سهلا دائما، في محاولة تقرير ذلك، كتبت الكثير من الكتب، وخيضت الكثير من المعارك. وما تزال المشكلة قائمة. بالإمكان رؤية التقليدين كليهما في معارك زماننا الحاضر، وحروبه.

بين حذي الطمأنينة والراديكالية ثمة الكثير من المواقف المتحفظة، بل وغير الواثقة من الحكومة. مثال ذلك اختلاف المواقف الشعبية اختلاف حادة، في القرون الوسطى، من القاضي والمفتي، وهو فقيه مستشار في الشريعة. يقدم الأدب والفولكلور القاضي الذي يعينه الحاكم شخصية فاسدة، بل ومثيرة للسخرية، أما المفتي، وهو منصب، ظهر في القرون الوسطى؛ فيعترف بفضله أصحابه، وعامة الناس، ويتمتع بالتقدير والاحترام. أحد موضوعات پر الرجال المتدينين - ولدينا منهم مئات الآلاف - هو أن تعرض على البطل وظيفة حكومية فيرفضها، يشير عرض الوظيفة عليه إلى علمه وسمعته، فيما يشير رفضه إياها إلى نزاهته.

كان في العهد العثماني ثمة تغير مهم. فقد اكتسب القاضي سلطة ونفوذأ كبيرين، بل وجرى ضم المفتي إلى سلالة السلطان الحكومي، غير أن الموقف القديم في عدم الثقة بالحكومة استمر، وغالبا ما عبرت عنه الأمثال والحكايات الفولكلورية بل والأدب الرفيع،

قذم الإسلام - على مدار ما يربو على الألف سنة - المنظومة الشاملة المقبولة الوحيدة من القواعد والمبادئ التي تنظم الحياة العامة والاجتماعية. حتى في عهود ذروة النفوذ الأوروبي، في البلدان التي حكمت فيها القوة الإمبريالية الأوروبية، أو فرضت هيمنتها عليها، وفي عهود استقلال تلك البلدان، ظلت الأفكار والمواقف الإسلامية عميقة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت