الصفحة 98 من 174

إذا كان بوسع المرء الحديث عن رجل الدين في العام الإسلامي بمعني محدود في علم الاجتماع، فلا معنى - بتاتة - للحديث عن إنسان متدين. تعير اللغات المسيحية عن محض فكرة المنفصل، أو الذي يمكن أن ينفصل عن المرجعية الدينية، بمصطلحات من قبيل lay: غير إكليريكي أو temporal: دنيوي، أو secular: علماني، وهذا غريب على الفكر والتطبيق الإسلاميين. لم تكن في العربية - حتى وقت قريب نسبية - مكافئات لهذه المصطلحات، فاستعيرت من المسيحيين الناطقين بالعربية، أو ابتكرت حديثا

كانت للمجتمع الإسلامي منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم شخصية مزدوجة. فقد كان - من جهة - حكومة قبلية، صارت - بالتدريج - دولة، فإمبراطورية، وكان - في الوقت ذاته، من جهة أخرى - مجتمعة دينية، أسسه النبي صلى الله عليه وسلم وحكمه ولاته الذين كانوا خلافاءه كذلك. صلب المسيح، ومات موسي دون أن يدخل الأرض الموعودة، وما زال لذكريات تلك الوقائع تأثير فاعل في معتقدات أتباعهم المتدينين، ومواقفهم. أما محمد صلى الله عليه وسلم؛ فقد نال المجد في حياته، ومات في ملك وعز. لا يثبت مواقف المسلمين إلا التاريخ اللاحق لدينهم. أصبح للمحتلين البرابرة، ولكن المتحلين بالاستعداد للتعلم في أوروبا الغربية دينة ودولة الإمبراطورية الرومانية والكنيسة المسيحية. أدرك المحتلون كلا الأمرين، وعملوا على خدمة أهدافهم، وإسعاف حاجاتهم الخاصة، في إطار بنيتي الحكومة الرومانية والديانة المسيحية، وكلاهما يستعمل اللغة اللاتينية. جاء المحتلون المسلمون العرب الذين سيطروا على الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بدينهم الخاص بهم، وكتابهم الخاص بهم، ولغتهم الخاصة بهم، وأقاموا حكمهم الخاص بهم، ومجموعة من القوانين الجديدة، ولغة فخمة جديدة، وبنية فخمة جديدة، سلطتها العليا الخليفة. عرفت هذه الحكومة والدولة بالإسلام، ولا عضوية تامة للفرد في هذه الدولة، إلا إذا أشهر إيمانه بالديانة السائدة. >

تقع سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة أو سواها، وهي الأنموذج الذي يسعى جميع المسلمين حسني الإسلام إلى تقليده - في قسمين. القسم الأول، أبان سنية في مسقط رأسه، مكة (570 - 622) مناوئة الأوليغارشية الوثنية في المنطقة. وكان - في القسم الثاني بعد انتقاله من مكة إلى المدينة المنورة (622 - 632) - رئيسا للدولة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت