فأجاب -رحمه الله-:"السماوات مستديرة عند علماء المسلمين وقد حكى إجماع المسلمين على ذلك غير واحد من العلماء أئمة الإسلام ... ، وإن كان قد أقيم على ذلك أيضًا دلائل حسابية. ولا أعلم في علماء المسلمين المعروفين من أنكر ذلك، إلا فرقة يسيرة من أهل الجدل لما ناظروا المنجمين فأفسدوا عليهم فاسد مذهبهم في الأحوال والتأثير، خلطوا الكلام معهم بالمناظرة في الحساب وقالوا على سيبل التجويز يجوز أن تكون مربعة أو مسدسة أو غير ذلك؛ ولم ينفوا أن تكون مستديرة لكن جوزوا ضد ذلك. وما علمت من قال إنها غير مستديرة -وجزم بذلك- إلا من لا يؤبه به له من الجهال. ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [1] وقال تعالى: (لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [2] . قال ابن عباس وغيره من السلف: في فلكة مثل فلكة المغزل، وهذا صريح بالاستدارة والدوران، وأصل ذلك: أن"الفلك في اللغة"هو الشيء المستدير، يقال: تفلك ثدي الجارية إذا استدار، ويقال لفلكة المغزل المستديرة فلكة؛ لاستدارتها. فقد اتفق أهل التفسير واللغة على أن"الفلك"هو المستدير والمعرفة لمعاني كتاب الله إنما تؤخذ من هذين الطريقين: من أهل التفسير الموثوق بهم من السلف ومن اللغة التي نزل القرآن بها وهي لغة العرب. وقال تعالى: (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ) [3] قالوا: و"التكوير"التدوير يقال: كورت العمامة، وكورتها إذا دورتها، ويقال: للمستدير كارة وأصله"كورة"تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا. ويقال أيضًا:"كرة"وأصله كورة، وإنما حذفت عين الكلمة كما قيل في ثبةٍ وقلةٍ. والليل والنهار، وسائر أحوال الزمان تابعة للحركة؛ فإن الزمان مقدار الحركة؛ والحركة"
(1) سورة الأنبياء الآية: 33.
(2) سورة يس الآية: 40.
(3) الزمر الآية: 5.