كلُّه، أي السّياقُ العامُّ الذي استُخدِمت فيه، هو الذي صدَم مشركي مكّة بوصفه شيئًا غريبًا تمامًا وغيرَ مألوف، ولذلك، غيرَ مقبول، وليس الكلماتِ الفرديّة والمفهومات نفسَها.
فـ"الكلماتُ نفسُها كانت متدوالةً في القرن السّابع (الميلادي) ، إن لم يكن ضمن الحدود الضّيّقة لمجتمع مكّة التجاريّ، فعلى الأقلّ في واحدةٍ من الدّوائر الدينيّة في جزيرة العرب، ما جدّ هو فقط أنّه دخلت أنظمةٌ مفهومية مختلفة. والإسلامُ جَمَعها، دَمَجَها جميعًا في شبكةٍ مفهوميّة جديدة تمامًا ومجهولة حتّى الآن." [1]
ويذكر نموذجًا لذلك التحول كلمةَ"تقوى"، فالمعنى الصّميمي الأساسيّ لكلمة"تقوى"في الجاهلية"دفاعَ كائن حيّ، حيوان أو إنسان، عن نفسه في مواجهة قوّة مدمِّرة آتية من الخارج". وتدخلُ هذه الكلمةُ في نظام المفهومات الإسلاميّ حاملةً معها هذا المعنى الأساسيّ نفّسه. ولكن ههنا، وتحت التأثير السّاحق لجُمْلة النظام، وخاصّة بفضل كونها الآن موضوعةً في حَقْلٍ دلالّي محدَّدٍ مؤلَّفٍ من مجموعةٍ من المفهومات عليها أن ترتبط بـ"الإيمان"أو الاعتقاد المميَّز للتوحيد الإسلاميّ، اكتسبت معنَّى دينيًَّا في غاية الأهمّية: بعد أن تجتاز التقوى المرحلة المتوسّطة لـ"الخوف من العقاب الإلهيّ في يوم الحساب"، يُقصَد بها في النهاية"الورَع"الشّخصي، الصّافي والبسيط [2] .
هذا ويعول إيزوتسو في الكشف عن التحول الدلالي على الشعر الجاهلي"لأنّ المعجم اللغويّ للشّعر الجاهليّ سابقٌ زمانيًّا القرآن، فتكونُ المقارنةُ بينهما يقينًا مثمرةً. ويمكن أن أنّ تلقي ضوءًا كاشفًا على المعنى"الوضْعيّ"لبعض التعابير المفتاحيّة الموجودة في القرآن. بل تسمح بأن نرى على نحو دقيق كيف ظهرت فِكَرٌ وكيف عُدّلت فِكَرٌ قديمة في جزيرة العرب في المرحلة الحاسمة الممتدّة من أواخر العصر الجاهليّ إلى أوائل العصر الإسلاميّ، وكيف أثّر التاريخ تأثيرهَ وصاغ فِكْرَ النّاس وحياتهم" [3] . ويبدو إيزوتسو مقتدرًا جدًا على فهم الشعر الجاهلي ومعرفة تفاصيل الحياة العربية قبل الإسلام من خلاله، وهذا يؤكد درجة تمكنه من العربية [4] .
(1) الله والإنسان، ص 32
(2) انظر: الله والإنسان، ص 38
(3) انظر: الله والإنسان، ص 52
(4) يلاحظ عليه المترجم الدكتور هلال الجهاد اعتماده على نشرة لديوان عنترة بن شداد تأكد فيما بعد أنها أغلب ما فيها شعر إسلامي منحول أو مزيف، ويلتمس له عذرًا كون النشرة المحققة لم تصدر حتى عام 1970 بعد تأليف الكتاب بسنوات، انظر: مقدمة المترجم، ص 15 - 16.