الصفحة 11 من 20

فهدف الدراسة الدلالية للقرآن البحث عن رؤية القرآن لكيفية بناء عالَم الوجود، وما المكوِّناتُ الرّئيسةُ للعالم، وكيف يُرْبَط بعضُها ببعض، فيكون عِلْمُ دلالات الألفاظ وتطوّرها، في هذا المعنى، نوعًا من عِلْم الوجود ontology- علم وجود محّدد وحيّ ومتحرّك [1] .

ولانجاز عمله يوضح المرتكزات الأساسية التي ستضبط تحليله الدلالي، وذلك من خلال مداخل أساسية، أو مصطلحات اعتمدها أو ابتكرها ليوضح فكرته، وهي:

إن جوهر عمل إيزوتسو كما حدده هو دراسةٌ تحليلية للتعابير المفتاحية في القرآن والتي تعبر عن المنظور القرآني للعالم، لكن ذلك ليس مجرد اختيار مفهومات من المعجم اللغوي للقرآن، بل هي - كما يقول - مهمة صعبة، ذلك لأنّ هذه الكلمات أو المفهومات - كما يصفها إيزوتسو- ليست موجودةً هكذا في القرآن مستقلًا كلٌّ منها عن الأخريات، بل إنّ كلاًّ منها تعتمد على صاحبتها اعتمادًا قويًّا، وتستمدّ معانيها المحدّدة على نحو دقيق من جملة نظام العلاقات. وبكلماتٍ أُخَر، تؤلِّف فيما بينها مجموعاتٍ متنوّعة، كبيرة وصغيرةٍ، مرتبطًا كلٌّ منها بالأخرى أيضًا بطرائق مختلفة، وهكذا تؤلّف في النهاية كُلًا منظّمًا شبكةً غايةً في التعقيد والتركيب من الترابطات المفهوميّة [2] . فإيزوتسو يبحث عن النظام المفهومي الذي يعمل في القرآن، لا المفهومات الفردية منظورًا إليها بعيدًا عن البناء العام، أو ما يسميه"البنية المتكاملة"التي اندمج فيها المفهوم.

يسجل إيزوتسو ملاحظة يعتبرها جوهرية في عمله وهي ملاحظة التحول الدلالي للمفردة اللغوية التي كانت متداولة قبل الإسلام عبر إدخالها في سياق قرآني جديد ودمجها ضمن نظام مفهومي مختلف، فألفاظ القرآن كانت متداولة، بل إنه - كما يرى - ليس من التعابير المفتاحية التي تؤدّي وظيفةً حاسمة في صياغة نظرة القرآن إلى العالَم بما فيها اسْمُ"الله"نفسُه، ما كان بأيّ معنى من المعاني تعبيرًا جديدًا مبتكَرًا. فقد كانت كلُّها تقريبًا مستخدمةً بصورةٍ أو بأخرى في الأزمنة التي سبقت الإسلام. وعندما بدأ الوَحْيُ الإسلاميّ باستخدام هذه الكلمات، كان النظامُ

(1) الله والإنسان، ص 30

(2) الله والإنسان، ص 31

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت