ووفي دراسته للمفهومات الأخلاقية يعدد إيزوتسو أنماطًا للتحول الدلالي في المفهومات الأخلاقية التي كانت في الجاهلية كالكرم والشجاعة والصبر ... ، فقد أخضعها القرآن لتحول دلالي خاص، فمنها ما وسع ومنها ما ضيق ومنها ما طور في اتجاهات جديدة تمامًا [1] .
من المفهومات المنهجيّة في علم الدّلالة ما أسماه معنىً"وَضْعيًّا basic"ومعنىً"سياقيًا relational"، فكلّ كلمةٍ مفردةٍ حين تؤخذ معزولةً يكون لها معناها الوضعيُّ الخاصّ أو محتواها المفهوميّ الذي تُبنى عليه حتّى إذا أخرجنا الكلمة من سياقها القرآنيّ. فكلمة"كتاب"مثلًا تعني أساسًا الشيءَ نفسَه سواءٌ أوُجِدت في القرآن أم خارجه. فالعنصرُ الدّلالي الثابت الذي يظلّ ملازمًا للكلمة حيثما يمّمت وكيفما استُخدمت، يسمّيه المعنى"الوَضْعيّ"، أمّا في السّياق القرآني فإنّ كلمة"كتاب"تتّخذ أهمّيةً غير عادية بوصفها العلامةَ لمفهوم دينيًّ خاصّ جدًا محاطٍ بهالة من التّقديس. وينشأ هذا عن أنّه في هذا السّياق ترتبط الكلمةُ ارتباطًا قويًا بمفهوم الوَحْي الإلهيّ، أو على الأصحّ بمفهومات مختلفة ذات صلة مباشرة بالوَحْي. فكلمة"كتاب"البسيطة بمعناها الوضعيّ الواضح"كتاب"، بمجرّد أن تدخل في نظامٍ خاصّ وتُعطى مكانًا محدَّدًا معيَّنًا فيه تكتسب عددًا وافرًا من العناصر الدّلاليّة الجديدة المنبثقة من هذا الوضع الخاصّ، وكذلك من العلاقات المختلفة بالمفهومات الرّئيسة الأخّر في ذلك النّظام التي تُعدّ هذه الكلمة لتضمُّنها. وينتهي إلى أن الكلمة في السياق القرآني المثقل بالدلالة ينبغي أن تفهم بلغة هذه التعابير المترابطة، وهذا ما يقصده بالمعنى السياقي [2] . ويعتبر إيزوتسو في كتابه المفهومات الأخلاقية منهج التحليل الذي يعتمده نوعًا من التفسير السياقي، الذي يجمع ويقارن ويربط بين كل التعابير التي تتشابه وتتضاد وتتطابق فيما بينها [3] .
ويسجل إيزوتسو في إطار حديثه عن السياق احتواء القرآن على منظومة مفهومية كبيرة مؤلفة من عدد من منظومات مفهومية متداخلة أصغر تسمى في علم الدلالة"حقول الدلالة"، كحقل الكلمات المتصلة بالنشور والحساب، والذي يسهم في اكتشاف النظرة إلى العالم في القرآن، ويسميه"حقل الأخرويات" [4] .
(1) انظر: المفهومات، ص 152 - 153
(2) انظر: الله والإنسان، ص 39 - 40
(3) انظر: المفهومات، ص 95 - 96
(4) الله والإنسان، ص 41 - 42