الصفحة 10 من 20

تتبدل وهو قوله تعالى عن حياة المسرف {فتقعد ملومًا محسورا} (الإسراء: 29) . وإذا كنا بصدد مقولة معيارية فإن المخالفة هنا قد ترجع -بفرض أن الدراسة الاستنباطية قد تمت وفق المعايير العلمية المعتمدة- إلى قصور في الدراسة الاستقرائية، كما قد ترجع إلى أن الواقع نفسه لم يلتزم بالمنهج المعياري، ولا يعني ذلك عدم صدق المقولة المعيارية لأنها لم تخبر عن واقع أيًا كانت درجة صلاحه أو فساده، وإنما هي أخبرت عن واقع صحيح. وإن جاءت بصيغة طلب تحقيق هذا الواقع. وعلينا أن نتفهم جيدًا ماذا يعني"الواقع"لدى العلماء الذين تحدثوا في هذا الموضوع واعتبروه محور الصدق والكذب، فهل هو واقع المسرفين أو المخادعين أو الأنانيين أو المضاربين؟ أو غيرهم؟ إن الواقع في المفهوم الإسلامي للعلوم ليس صنمًا يعبد وليس أمرًا خارج التقويم والتعديل والمحاكمة. فكما هو حاكم في بعض الحالات هو محكوم عليه ومحاكم في بعضها الآخر. وعلينا كذلك، أن نفرق بين واقع الكون وواقع الإنسان، فالأول مسير طبقًا لقوانين إلهية بالغة الكمال في الصدق والثبوت، أما واقع الإنسان وبحكم ما منحه الله من إرادة وحرية فقد يكون واقعًا سليمًا، وعند ذلك يصح أن يكون معيارًا للاحتكام، وقد يكون منحرفًا، وعند ذلك يكون من الخطأ العلمي تحكيمه. وليس معنى ذلك إهمال الواقع كلية في عملية التنظير، فهناك مجال متسع للاستفادة به، والمهم هو التأكيد على"اعتبار الواقع لا تحكيمه"كما عبر أحد الباحثين. [3]

ويمكننا الاستفادة من الواقع في كثير من القضايا المحايدة مذهبيًا مثل قوانين الغلة وقوانين المنفعة .. إلخ. كذلك يمكن الاستفادة به في القضايا ذات الهوية المذهبية فمثلًا عندما نقول إن وضع المسرف مزرٍ. فبرغم أن هذه المقولة معتمدة على نص قرآني فإنه يمكن دراستها واقعيًا بهدف التأكد من صحة ما أخبر عنه الإسلام. والملاحظ أنه في كثير من الحالات نجد الإسلام يقدم المقولة المعيارية ثم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت