يشفعها بمقولة وضعية، [4] مثلًا قوله تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملومًا محسورا} (الإسراء: 29) . ولعلّ من جوانب الحكمة في إيراد المقولات الوضعية هنا حث الإنسان على الامتثال لمقتضى المقولات المعيارية، وهو البعد عن الاختلال الإنفاقي، حيث يوضح أن مغبة ذلك تبدو واقعيًا في حياة الإنسان؛ تعاسة وسوءًا، والمؤمن له أن يتأكد من صحة ذلك واقعيًا من باب التأكد الذي طلبه إبراهيم عليه اسلام وأجابه إليه الله عز وجل، وغير المؤمن له أن يختبر صحة ذلك واقعيًا. وبهذا فإن الاقتصاد الإسلامي لا يفقد الفرصة كلية لفحص وعرض نظرياته على الواقع. ثم إن رجوعنا للواقع لا يحقق لنا هذه الفائدة فقط بل يحقق لنا أيضًا معرفة مدى سلامة الواقع نفسه، من خلال مقارنته بالوضع الإسلامي المنشود، وفي حال المخالفة لا تنتهي المهمة العلمية، وإنما تتواصل لدراسة مدى الانحراف الواقعي وعوامله ثم كيفية إزالته، طبقًا لما سبق تحديده من هدف لعلم الاقتصاد الإسلامي. ومعنى ذلك أننا كما نعرض النظرية على الواقع نعرض الواقع على النظرية ونحاكمه في ضوئها. ولنا أن نتساءل هنا هل حقًا قام التنظير في الاقتصاد المعاصر على أساس من الواقع؟ بمعنى أن الباحث كان ينظر أولًا في الواقع ثم ينطلق منه إلى بناء نظرياته أم أن ما جرى عليه التظير في العديد من الحالات هو الانطلاق من فروضه طبقًا لرؤية الباحث وتوجيهاته فيقيم ما يقيمه من نظريات ثم يقوم لاحقًا بعرضها على الواقع أو بعبارة أصح يقوم بفرضها على الواقع، فمثلًا هل كان الواقع هو أساس نظرية أجر الكفاف؟ أم هو الانصياع للنموذج الرأسمالي المرغوب والذي يشدد على وضع الإمكانات المالية في يد الرأسمالي؟ فتجيء النظرية لتتواءم مع هذا المقصود، قائمة على بعض الافتراضات النظرية البعيدة عن الواقع، بدليل أنه سرعان ما تدفع هذه النظرية أو تلك بمخالفتها للواقع، وفي ذلك