من دحض ادعاءاتهم بالحقيقة العلمية إلى الخروج عن جادة العقل. فعندما سئل جوزيف شومبيتر -المدافع العظيم عن الاقتصاد الكلاسيكي لجيل مضى- عن موقفه إذا دحض الدليل التجريبي الدامغ منطقه وتحليله الشافيين، أجاب دون تردد أنه سيتمسك بنظرياته، لأنها هي التي تمثل الطابع العلمي لا البيانات التجريبية. [6]
ما نريد قوله هنا أن التشدد الكبير الذي يبديه الاقتصاديون في صدر صفحات مؤلفاتهم بخصوص عملية التنظير والاعتماد الرئيسي فيها على الواقع هو أمر فيه مبالغة من حيث ما جرى ويجري عليه العمل العلمي فعلًا.
وأمامنا مخرج آخر يتمثل في عرض ما نتوصل إليه من قوانين ونظريات من خلال المنهج الاستنباطي على الواقع، لكنه ليس الواقع المعاصر، وإنما هو واقع إسلامي وقع وحدث فعلًا في تاريخنا، فلقد تواترت الأخبار عن العديد من الأفراد والمجتمعات التي كان سلوكها الاقتصادي غير بعيد عن النموذج الإسلامي. أو بعبارة أخرى كان الواقع إسلاميًا بغير جدال، فلمَ لا نحاكم ما نصل إليه من خلال هذا الواقع؟ إن مشكلة النظرية -أية نظرية- هي في عجزها عن تفسير الواقع ووصفه. والنظرية الاقتصادية الإسلامية لا تنصرف إلى وصف سلوك المسلمين المعاصرين بالذات وتفسيره، وإنما هي تقوم بوصف سلوك المسلم الحقيقي وتفسيره. وعندما تصدق في ذلك حتى ولو كان هذا المسلم غير موجود الآن لكنه قد وجد فعلًا في زمن مضى فإن النظرية تكون قد أدت هذه المهمة. وهناك مخارج يمكن للبحث في الاقتصاد الإسلامي أن يسلكها في ظل الواقع القائم.
ثم ما مدى صدق مقولة إن الواقع المعاصر غير إسلامي؟ إن ذلك يتوقف على تحديد المقصود بالإسلامي، فإن كان ما توفرت فيه كل الأحكام والآداب والأخلاق الإسلامية، فإن هذا الوصف لا يتحقق إلا نادرًا. والحمد لله فإنه لم يقل أحد