فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 51

عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةَ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّعًا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، فَتَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» [1]

(1) - صحيح ابن حبان - مخرجا (1/ 178) (5) وسنن أبي داود (4/ 200) (4607) وسنن ابن ماجه (1/ 15) (42) وسنن الترمذي ت شاكر (5/ 44) (2676) صحيح

(ذات يوم) لفظة"ذات"مقحمة. (بليغة) من المبالغة. أي بالغ فيها بالإنذار والتخويف. (وجلت) كسمعت أي خافت. (وذرفت) أي سالت. وفي إسنادها إلى العيون مع أن السائل دموعها مبالغة. والمقصود أنها أثرت فيهم ظاهرا وباطنا. (وان عبدا حبشيا) أي وإن كان الأمير عبدا حبشيا. (الخلفاء الراشدين) قيل هم الأربعة رضي الله عنهم. وقيل بل هم ومن سار سيرتهم من أئمة الإسلام. فانهم خلفاء الرسول عليه الصلاة والسلام في إعلاء الحق وإحياء الدين وإرشاد الخلق إلى الصراط المستقيم. (النواجذ) الأضراس. قيل أراد به الجد في لزوم السنة كفعل من امسك الشيء بين أضراسه وعض عليه منعا من أن ينتزع. أو الصبر على ما يصيب من التعب في ذات الله. كما يفعل المتألم بالوجع يصيبه] .

قَالَ أَبُو حَاتِمٍ فِي قَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي» عِنْدَ ذِكْرِهِ الِاخْتِلَافَ الَّذِي يَكُونُ فِي أُمَّتِهِ بَيَانٌ وَاضِحٌ أَنَّ مَنْ وَاظَبَ عَلَى السُّنَنِ، قَالَ بِهَا، وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْآرَاءِ مِنَ الْفِرَقِ النَّاجِيَةِ فِي الْقِيَامَةِ، جَعَلَنَا اللَّهُ مِنْهُمْ بِمَنِّهِ.

في هذا الحديث أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعظ يوما أصحابه موعظة سالت منها الدمع من العيون وخافت منها القلوب خوفا شديدا لشدة تأثيرها في النفوس ولما حاك في صدورهم من أنها موعظة مودع منه لأهل الدنيا فطلبوا منه الزيادة في الوصية فأوصاهم بتقوى الله عز وجل التي هي وصية الله الأولين والآخرين وأن يسمعوا ويطيعوا لولاة الأمور وأن يتمسكوا بسنته وسنة الخلفاء الراشدين وأن يبالغوا في التمسك بها بكل ممكن وبكل سبب وأن لا يتبعوا آراء أهل البدع والأهواء والمقاصد الفاسدة فإن من اتبع هؤلاء فقد ضل وخسر.

ما يرشد إليه الحديث:

(1) المبالغة في الموعظة، لما في ذلك من ترقيق القلوب، فتكون أسرع إلى الإجابة. بالغة في الموعظة لما في ذلك من ترقيق القلوب وقبولها للحق.

(2) الاعتماد على القرائن في بعض الأحوال، لأنهم إنما فهموا توديعه إياهم بإبلاغه في الموعظة أكثر من العادة ..

(3) إنه ينبغي سؤال الواعظ للزيادة من الوعظ والتخويف.

(4) من أعلام النبوة إخباره - صلى الله عليه وسلم - بما يقع بعده في أمته من كثرة الاختلاف _ ووقع الأمر كذلك.

(5) الأمر بتقوى الله والسمع والطاعة، وفي هذه الوصية سعادة الدنيا والآخرة، أما التقوى فهي وصية الله للأولين والآخرين، وأما السمع والطاعة فبهما تنتظم مصالح العباد في معاشهم، ويستطيعون إظهار دينهم وطاعاتهم ..

(6) التمسك بالسنة والصبر على ما يصيب المتمسك من الأذى. في ذلك.

(7) التحذير من ابتداع الأمور التي ليس لها أصل في الشرع، أما ما كان مبنيا على قواعد الأصول ومردودا إليها. فليس ببدعة ولا ضلالة ..

(8) شرف الخلفاء الراشدين وفضلهم واتباع سنتهم.

(9) أن الواحد من الخلفاء الراشدين إذا قال قولا وخالفه فيه غيره كان المصير إلى قول الخليفة أولى.

(10) ينبغي للإنسان أن يستمع المواعظ بين فترة وأخرى لأ?ا نافعة للقلب.

(11) على الإمام وطالب العلم والعالم أن يتعاهدوا الناس بالمواعظ كما كان يفعل - صلى الله عليه وسلم - مع الصحابة رضي الله عنهم.

(12) الموعظة يجب أن تكون بليغة قوية تؤدي هدفها ولذلك على الإنسان أن يختار ألفاظها ويحسن قصدها لعل الله أن ينفع ?ا.

(13) فيه بيان لعلاقة القلب مع الجوارح فمتى تأثر القلب وخشع تأثرت العيون فذرفت وبكت من خشية الله.

(14) فقه الصحابي العرباض بن سارية رضي الله عنه حيث قدم قوله"وجبت منها القلوب"على قوله"ذرفت منها العيون"لأن القلب هو الأصل.

(15) خشية الصحابة رضي الله عنهم لر?م سبحانه، فبسماعهم المواعظ تذرف عيو?م وتوجل قلو?م.

(16) البكاء في مجالس الوعظ والذكر إذا غلب على الإنسان لا يكون رياءً، كما بكى الصحابة رضي الله عنهم في حديث الباب.

(17) الكلام النافع هو الذي يخالط القلب فيؤثر عليه لصدق قائله وإخلاصه في نصحه.

(18) فهم الصحابة وفطنتهم لما قال - صلى الله عليه وسلم -،ولذلك قالوا"يا رسول الله كأ?ا موعظة مودع"ففهموا من خلال الألفاظ أ?ا وصية مودع، وهذا الفهم يحصل بالتركيز والانتباه، أما السهو والغفلة أثناء الوعظ فتضيع الفائدة على صاحبها.

(19) يشرع للمسلم أن يطلب الوصية من غيره، ويجب على الآخر أن ينصح له في وصيته ولا يغشه فيها.

(20) على الإنسان أن يتحرى أهل العلم والفضل ويطلب منهم النصيحة لأن نصيحتهم ووصيتهم أفضل من غيرهم.

(21) أعظم الوصية على الإطلاق الوصية بتقوى الله لأ?ا تعني فعل الطاعات وترك المنهيات، فهي الدين بكامله.

(22) دل على وجوب السمع والطاعة لولاة أمر المسلمين، حيث أكد ذلك بقوله"وإن تأمر عليكم عبد".

(23) السمع والطاعة لولي أمر المسلمين من تقوى لله سبحانه وتعالى، فيطاع عبادة لله ولذلك ذكر - صلى الله عليه وسلم - السمع والطاعة بعد قوله"أوصيكم بتقوى الله".

(24) ضابط طاعة ولي أمر المسلمين ما كان في حدود تقوى الله سبحانه، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، وهذا الضابط والقيد يؤخذ من الربط بين قوله - صلى الله عليه وسلم -"أوصيكم بتقوى الله"مع قوله - صلى الله عليه وسلم -"والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد".

(25) الحديث يعالج تفرق وشق الصف وذلك بالاجتماع على تقوى الله وعلى إمام واحد.

(26) يعتبر الحديث من معجزاته - صلى الله عليه وسلم - لقوله"فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًًا"وهذا ما حدث بعد وفاته بزمن من تفرق ووجود اختلاف.

(27) كلما زاد البعد عن الرسالة النبوية كلما زاد الاختلاف لغلبة الجهل"فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرًا".

(28) ذكر في الحديث علاجًا للفتن والافتراق والاختلاف بين المسلمين، ويتلخص العلاج في أمور:-

الأولى: تقوى الله"أوصيكم بتقوى الله"الثانية: السمع والطاعة"والسمع والطاعة"الثالثة: التمسك بالسنة"فعليكم بسنتي".الرابع: هجر البدع"وإياكم ومحدثات الأمور".

(29) دل على حجية سنة الخلفاء الراشدين لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص عليها"فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين".

(30) فيه تزكية للخلفاء الأربعة رضي الله عنهم أجمعين لقوله"الراشدين المهديين"

(31) في الحديث التشديد على التمسك بالسنة وذلك:- لقوله"فعليكم بسنتي":ففيها أمر.- ولقوله"عضوا عليها":فلفظ العض يدل على التمسك في معناه- ولقوله"النواجذ"وهي الأضراس وهي أقوى الأسنان، فيشعر ذلك بقوة التمسك.

(32) في الحديث التشديد على هجر البدع، وذلك:- لقوله"إياكم":وهي كلمة تحذير.- ولقوله"كل":وهي من ألفاظ العموم وقد أضيفت لما بعدها"بدعة"فاجتمع صيغتان للعموم"كل"والإضافة.- ولقوله"ضلالة":وهي وصف لجميع البدع بالضلال، وهذا من الذم والتحذير. الخلاصة في شرح الأربعين النووية- علي بن نايف الشحود (ص:95)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت