-15 - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى» ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» [1]
(1) - صحيح البخاري (9/ 92) (7280) [ش (أبى) امتنع عن قبول الدعوة أو عن امتثال الأمر]
قوله: (من أبى) دخول الجنة، وذلك إنما هو أن يأبى الطاعة، فمن أبى الطاعة يأبى دخول الجنة، وذلك أن قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:أبى، يعني: أن دخول الجنة في الآخرة من طريق إليها، فالدنيا هي عند أهل العقل والنظر الصحيح جنة تنقل إلى جنة، فإن الطريق إلى الجنة في الآخرة إنما هي عبادة الله في الدنيا، بأنواع العبادات التي هي كلها حقائق الأمن وعروش الطمأنينة، كالصدق والبر؛ اللذين يكسبان المودة والصلة التي تؤكد الألفة، والأمكنة التي يقع بها عن الخلق الطمأنينة، وإتيان المعروف الذي تسكن إليه كل نفس، وهذا من الذي يستشير السر من كل ذي لب.
والعفو عن المذنب وحقه الجاد، وإكرام الضيف، والصدق في القول، والوفاء بالعهد، وحفظ الأخ بالغيب، ومجانبة الهجر من الكلام، والطهارة والنظافة، واستعمال مكارم الأخلاق من الجود والشجاعة والعفة، وغير ذلك من مكارم الأخلاق التي تفوقها على كثرتها كلها أداء فرائض الله سبحانه التي بها يشرف العبد في عبادة ربه، وانقطاعه عن الخلق إليه، وإخلاص الإيمان له في الصوم والحج، ومعاداة أعداء الله سبحانه، وبذل النفس له، واستسهال الموت في سبيله، فإن ذلك مما كله، إذا نظر بعين الحقيقة رأى أنه رياض جنات، تنقل إلى بحبوحة الجنة، فمن أبى ذلك فقد أبى الجنة العاجلة والجنة الآجلة.
*فأما العبادات: فإنها للمؤمنين بثوابها، والناظرين إلى أنها في زمان مهلة، ودار رحلة، في موسم متجر يتجر، وذمته مع اليقين بسرعة الانتقال عنه، فإن كلا منها إذا نظره المؤمن بهذه العين، رأى أنه في مثل الجنة، إذا كان إنفاقه حياته في التزود للجنة، كما أن أحد تجار الدنيا إذا ورد في بعض أسفاره على معدن يرى نفاسته في أرضه إذا حمله فتزود من ذلك المعدن ما يأمل نفاقه في بلده إذا عاد إليه.
فإنه كلما ازداد في الاستكثار من التزود من ذلك المتاع لأمله في ربحه عند العودة إلى مقره، فإنه يستلذ ذلك التعب، ويستطيب ذلك النصب؛ فالصلوات رياض جنات، وأي جنات للراكعين فيها، وعند تلاوتهم كلام ربهم قيامًا بين يديه، قد شرع لهم قطع كلام الخلق، وألا يلتفتوا بصورهم عن معبودهم، إشارة بذلك ألا يلتفتوا بصور باطنهم عن مناجاته أيضًا خالا هي.
* أما أماني أهل الجنة، وهي الخلوة عن الخلق بالرب سبحانه، واستمتاع كلامه ومناجاته بأذكاره والتذلل بين يديه، والخضوع له في طهارة ونظافة أثواب.
*وأما الصوم، فإنه لأهله من حيث إيمان بالله في الباطن، وصبر عما تؤثره النفس من المطعم والمشرب والنكاح غيبًا بين العبد وبين ربه، فإن المؤمن إذا رأي نفسه في ذلك سره وأفرط حتى يكون من تلذذه به أنه يجد لذة عند تزايد المشقة؛ فكأنه في جنة تنقل إلى جنة.
*وأما الحج، فإن المؤمن إذا نهض قاصدًا إلى بيت ربه، الذي جعله مجتمع أذكار الأنبياء، وملتقى الأولياء، وإنه يهجر في قصده أهله ووطنه، ويركب من الأخطار في طريقة ما إذا نظر المؤمن إلى أن كل شيء إذا تأمله فرآه خارجًا عن الأغراض، بعيدًا عن شهوات النفوس، فيمحض فيه الإيمان ويخلص فيه القصد ليستلذ به المؤمن التذاذًا لا يجده في كل عمل مشوب بمشاركة المنافع الدنيوية فوجد جنة من لذته في إخلاصه لربه من حجه وقصده مجالًا هي عند من ذاقها من المؤمنين على نحو رياض الجنة، فيجد الإنسان لذتها في وقتها، ثم إنه بعد انقضائها عنه كلما ذكرها يلتذ بها فكلما كانت مكابدتها أشق، كان ذكره لها بعد انقضائها ألذ.
*وأما الجهاد فإن من المؤمنين من لو لم يشرع الله سبحانه الجهاد؛ الذي يبرهن على الإيمان بمقر آخر، والتصديق برب تبذل له النفوس، ويهون في عبادته قطع الرؤوس، فيعادي المؤمن فيه، ويقاتل لأجله، ويحارب من جرائه حالًا يفضح الشبه لأحوال فيها نداء بلا إله إلا الله محمد رسول الله لكان من المؤمنين من ربما مات كمدًا، فانقضت نفسه حسرة، كيف لا يجد ما يظهر فيه دلائل تعلقه بالآخرة وهو ... لكن الله سبحانه من على عباده أن شرع لهم الجهاد، فرأى المؤمنون منا من الله لهم، فوزًا عجله له عليهم، فلذلك رياض جنة.
فهذا معنى قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:ومن أبى الطاعة فقد أبى الجنة، يعني - صلى الله عليه وسلم:الآجلة الموجودة المعدة الموعودة، وقد بينا خصال الطاعات والعبادات المؤدية إلى الجنة المذكورة قد يسلك قاصدوه في الأفعال المذكورة سلوكًا يتبدلهم كالتذاذهم بالجنة؛ فكأنه من أبى الطاعة فقد فاتته الجنة الآجلة الحقيقية والعاجلة جميعًا. الإفصاح عن معاني الصحاح (7/ 310)
في هذا الحديث: أعظم بشارة للطائعين من هذه الأمة، وأن كُلّهم يدخلون الجنة إلا من عصى الله ورسوله واتَّبع شهواته وهواه، قال الله تعالى {فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} ... [النازعات (37:41) ] .تطريز رياض الصالحين (ص:129)