{اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ} [الحشر:18] «تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ - حَتَّى قَالَ - وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ، حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَهَلَّلُ، كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» [1]
(1) - تهذيب صحيح مسلم- علي بن نايف الشحود (ص:332) (1017)
[ش (مجتابي النمار) نصب على الحالية أي لابسيها خارقين أوساطها مقورين يقال اجتبت القميص أي دخلت فيه والنمار جمع نمرة وهي ثياب صوف فيها تنمير وقيل هي كل شملة مخططة من مآزر الأعراب كأنها أخذت من لون النمر لما فيها من السواد والبياض أراد أنه جاءه قوم لابسي أزر مخططة من صوف (العباء) بالمد وبفتح العين جمع عباءة وعباية لغتان نوع من الأكسية (فتعمر) أي تغير (كومين) هو بفتح الكاف وضمها قال القاضي ضبطه بعضهم بالفتح وبعضهم بالضم قال ابن سراج هو بالضم اسم لما كوم وبالفتح المرة الواحدة قال والكومة بالضم الصبرة والكوم العظيم من كل شيء والكوم المكان المرتفع كالرابية قال القاضي فالفتح هنا أولى لأن مقصوده الكثرة والتشبيه بالرابية (يتهلل) أي يستنير فرحا وسرورا (مذهبة) ضبطوه بوجهين أحدهما وهو المشهور وبه جزم القاضي والجمهور مذهبة والثاني ولم يذكر الحميدي في الجمع بين الصحيحين غيره مدهنة وقال القاضي عياض في المشارق وغيره من الأئمة هذا تصيحف وذكر القاضي وجهين في تفسيره أحدهما معناه فضة مذهبة فهو أبلغ في حسن الوجه وإشراقه والثاني شبهه في حسنه ونوره بالمذهبة من الجلود وجمعها مذاهب وهي شيء كانت العرب تصنعه من جلود وتجعل فيها خطوط مذهبة يرى بعضها إثر بعض]
أَيْ: أَتَى بِطَرِيقَةٍ مَرْضِيَّةٍ يُقْتَدَى بِهِ فِيهَا (فَلَهُ أَجْرُهَا) أَيْ: أَجْرُ تِلْكَ السُّنَّةِ، أَيْ: ثَوَابُ الْعَمَلِ بِهَا. وَفِي نُسْخَةٍ: أَجْرُهُ، أَيْ: أَجْرُ مَنْ سَنَّ، يَعْنِي أَجْرَ عَمَلِهِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ فِي عَامَّةِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: فَلَهُ أَجْرُهَا، وَهُوَ غَيْرُ سَدِيدٍ رِوَايَةً وَمَعْنًى إِنَّمَا الصَّوَابُ أَجْرُهُ، وَالضَّمِيرُ لِصَاحِبِ الطَّرِيقَةِ، أَيْ: لَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِسُنَّتِهِ، وَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى السُّنَّةِ. (وَقَدْ وَهِمَ فِيهِ بَعْضُ النَّاسِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ رُوَاةِ الْكِتَابَيْنِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ فِي شَيْءٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يُورِدْهُ الْبُخَارِيُّ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ، وَوُجِدَ فِي نُسَخٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ مُسْلِمٍ: أَجْرُهَا. وَعَلَى هَذَا شَرْحُ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ وَالْإِضَافَةُ لِأَدْنَى مُلَابَسَتِهِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ سَبَبُ ثُبُوتِ الْأَجْرِ فَجَازَتِ الْإِضَافَةُ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ اتِّفَاقُ النُّسَخِ عَلَى وِزْرِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.(وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا) أَيْ: بِتِلْكَ الْحَسَنَةِ (مِنْ بَعْدِهِ) :مِنْ بَيَانِ مِنْ، وَفِي الْمَصَابِيحِ: وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بَعْدَهُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ بَعْدَ مَمَاتِ مَنْ سَنَّهَا قُيِّدَ بِهِ لِمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ ذَلِكَ الْأَجْرَ يُكْتَبُ لَهُ مَا دَامَ حَيًّا اهـ.
قُلْتُ: وَفِيهِ أَنَّهُ يُتَوَهَّمُ حِينَئِذٍ أَنَّ الْأَجْرَ لَا يُكْتَبُ لَهُ وَهُوَ حَيٌّ، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ مِنْ بَعْدِ مَا سَنَّهُ (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ) :عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ وَلَازِمٌ (مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ) أَيْ: مِنَ النَّقْصِ (وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً) أَيْ: بِدْعَةً مَذْمُومَةً عَمِلَ بِهَا (كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا) أَيْ: إِثْمُهَا (وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ) أَيْ: مِنْ جِهَةِ تَبَعِيَّتِهِ (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ) :تَقَدَّمَ (مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ) :جَمَعَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى"مِنْ"كَمَا أَفْرَدَ فِي"يَنْقُصَ"بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (1/ 294)
بيّن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن الداعي إلى الهدى له من الأجر والثواب مثل من اتبعه مع استيفاء التابعين أجورهم كاملة وأن الداعي إلى الضلالة كعقيدة فاسدة وجريمة منكرة وخلق مرذول عليه من الإثم مثل آثام من اتّبعه مع استيفائهم آثامهم كاملة والسبب في ذلك أن المرشد إلى الخير كانت كلمته سببا في وجود هذا الخير في المجتمع الإنساني من هؤلاء التابعين فما فعلوه من الطيبات كأنه هو الذي فعله فله جزاؤه موفورا. وكذلك داعي الضلالة كأنه الذي ارتكب جرائم تابعيه فعليه عقاب ما اجترموا.
والحديث فيه ترغيب عظيم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو وظيفة الرسل والمصلحين كما فيه إنكار شديد وويل عظيم للذين يضلون الناس عن طريق الحق ويزينون لهم اجتراح السيئات أولئك الذين يخرجون على إجماع المسلمين ويلبسون الحق بالباطل ليضلوا عن سبيل الله ويفرقوا الكلمة ويشتتوا الجمع زاعمين أنهم مجددون باحثون والله يعلم أنهم ما الخير قصدوا ولا الفهم والحق طلبوا، فكن للخير داعيا، وعن الشر منفرا وفي كنف الجماعة مستظلا. الأدب النبوي (ص:210)