فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 51

أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» [1]

(1) - الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم (ص:568) 5063 - 1546 - - [ش أخرجه مسلم في النكاح باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه .. رقم 1401 (رهط) قيل هم علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو بن العاص. وعثمان بن مظعون رضي الله عنهم. (تقالوها) عدوها قليلة. (ذنبه) ذنبه - على حسب مقامه وما يعتبر ذنبا في حقه ليس هو من جنس الذنوب حقيقة ولو فعله غيره لا يسمى ذنبا. كفعله خلاف الأولى ونحو ذلك. (أبدا) دائما دون انقطاع. (الدهر) أي أواصل الصيام يوما بعد يوم. (لأخشاكم لله واتقاكم له) أكثركم خوفا منه واشدكم تقوى. (أرقد) أنام. (رغب عن سنتي) مال عن طريقتي وأعرض عنها. (فليس مني) أي ليس بمسلم إن كان ميله عنها كرها لها أوعن عدم اعتقاد بها. أن كان غير ذلك فإنه مخالف لطريقتي السهلة السمحة التي لا تشدد فيها ولا عنت]

بنيت هذه الشريعة السامية على السماح واليسر، وإرضاء النفوس بطيبات الحياة وملاذِّها المباحة به، وكرهها للعنت والشدة والمشقة على الفس، وحرمانها من خيرات هذه الدنيا.

ولذا فإن نفرا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - حملهم حب الخير والرغبة فيه إلى أن يذهبوا فيسألوا عن عمل النبي - صلى الله عليه وسلم - في السر الذي لا يطلع عليه غير أزواجه فلما أعلمنهم به استقلوه، وذلك من نشاطهم على الخير وَجَدهم فيه. فقالوا: وأين نحن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! فهو- في ظنهم- غير محتاج إلى الاجتهاد في العبادة. فعول بعضهم على ترك النساء، ليفرغ للعبادة. وعول بعضهم على ترك أكل اللحم، زهادةً في ملاذ الحياةوصمم بعضهم على أنه سيقوم الليل كله، تَهَجُّدا أو عبادة. فبلغت مقالتهم من هو أعظمهم تقوى، وأشدهم خشية، وأعرف منهم بالأحوال والشرائع. فخطب الناس، وحمد الله، وجعل الوعظ والإرشاد عاما، جريا على عادته الكريمة. فأخبرهم أنه يعطى كل ذي حق حقه، فيعبد الله تعالى، ويتناول ملاذ الحياة المباحة، فهو ينام ويصلى، ويصوم ويفطر، ويتزوج النساء، فمن رغب عن سنته السامية، فليس من أتباعه، وإنما سلك سبيل المبتدعين. تيسير العلام شرح عمدة الأحكام (ص:566) .

كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يتحرون «2» عبادة النبي عليه الصلاة والسلام ومقاديرها رجاء أن يكون لهم حظ مقاربته في الدرجة والمنزلة عند الله تعالى فجاء ثلاثة منهم إلى أزواجه يسألون عن كيفية عبادته في السر ومقاديرها، فلما علموا أنها لا تزيد على عبادتهم وجدوها قليلة بالنسبة إليهم. لا تفي بما يبغون الحصول عليه من الزلفى ورأوا من وعد الله غفران ذنوب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما تقدم منها وما تأخر ما يغنيه عن كثرة العبادة، وأنهم دونه في ذلك بمراحل كبيرة، وفي حاجة إلى مداومة الطاعة والإكثار منها.

فأخذ كل على نفسه أن يلازم نوعا من العبادة لا ينقطع عنه، فرأى أحدهم أن يجافي جنبه عن المضاجع ليلا ويصرف جميع لياليه أبدا في العبادة فلا يعطي نفسه حظها من النوم والراحة، لأن السهر في ذكر الله يصفي الفكر، ويرفق الذهن، والنوم يدعو إلى الكسل والتراخي ويبلد النفس. ورأى آخر أن يصوم الدهر ولا يفطر، لأن الصيام يكبح «1» جماح «2» شهواته ويكسر شره نفسه وينفي ما خبث من طباعه ويغسل ما دنس من أخلاقه، ويجعله يستشعر الرحمة والرأفة بالضعفاء والفقراء والمساكين.

ورأى آخر أن يعتزل النساء فلا يتزوج، لأن ذلك يبعده عن الاشتغال بالدنيا وملاذها وينسيه عبادة الله حيث يشغله أمر معاشه والسعي على أولاده وتربيتهم والنظر في أمورهم من التفرغ للطاعة.

فلما بلغ ذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم - خطب المسلمين منبها إلى خطأ ما عزم عليه هذا النفر؛ وإلى أن التقرب إلى الله لا يكون بتحميل النفس فوق طاقتها وإجهادها بالشاق من الطاعات بل إن خير الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، وأنهم يوشكون أن يوقعوا أنفسهم في عجز وضعف لا يقوون معهما على أدنى أنواع العبادات فضلا عن أعلاها فيكونون كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. وخير لهم أن يترفقوا بأنفسهم ليستديموا الطاعة ويتمتعوا بما أحله الله لهم من الطيبات، إذ لا رهبانية «3» في الإسلام.

ولقد كان من آدابه - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى شيئا يكرهه وخطب في شأنه ألا يعين فاعله ولا يواجهه بما يكره ولا يسميه باسمه على رؤوس الملأ. بل يقول: ما بال رجال أو ما بال أقوام لأن المقصود وهو الزجر عما اعتزموا عليه يحصل لهم ولغيرهم ممن سمع الخطبة أو بلغه أمرها بدون الالتجاء إلى توبيخهم، وهذا من مكارم أخلاقه عليه الصلاة والسلام وحسن آدابه وجميل عشرته، ولقد قال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ «1» ،وقال عليه الصلاة والسلام «أدبني ربي فأحسن تأديبي» .

وفي الحديث إشارة إلى أن الحنيفية «2» السمحة لا تدعو إلى الرهبانية وحرمان النفس مما أحله الله، ولكن ترغب في الإفطار ليقوى المؤمن على الصيام، وفي النوم ليتقوى على القيام. وفي التزوج ليكسر شهوة نفسه ويعفها ويكثر النسل.

ومن رغب عن ذلك، فإن كان لنوع من التأويل والفهم لا يعدّ ذلك خروجا عن الملة ولا كفرا، ويكون معنى (فليس مني) أي ليس من طريقتي وإن كان إعراضا وتنطعا «3» يفضي إلى اعتقاد صواب ما عمل ورجحانه كأن معنى (فليس مني) فليس على ملتي لأن اعتقاد ذلك كفر، وإن كان تورعا لشبهة في ذلك لم يكن ممنوعا ولا مكروها.

ويؤخذ من هذا الحديث سوى ما تقدم:

1 -التنبيه على فضل النكاح والترغيب فيه.

2 -وعدم الغلو في الإنقطاع عن الملاذ وما أحله الشرع.

3 -فيه رد على منع استعمال المباحات والحلال من الأطعمة الطيبة والملابس اللينة وآثر عليها غليظ الطعام وخشن الثياب من الصوف وغيره قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ «4» ،لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا «5» .

والحق: العدل، والقصد في جميع الأمور، فإن ملازمة الطيبات تقضي إلى الترفه والبطر «6» ،ولا يؤمن معها من الوقوع في الشبهات، كما أن منع النفس من تناولها يؤدي إلى التنطع المنهي عنه، وملازمة الاقتصاد على الفرائض مثلا وترك النفل يفضي إلى إيثار البطالة وعدم النشاط إلى العبادة، وربما يؤدي إلى التكاسل عن الفرائض.

وقد أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأمرين وشارك في الوجهين، فلبس مرة الصوف والشملة الخشنة، ومرة البردة والرداء الحضرمي، وتارة كان يأكل القثاء بالرطب وطيب الطعام إذا وجده، ومرة كان يأكل الدجاج.

4 -يؤخذ من الحديث أيضا مشروعية التوصل إلى العلم لكل أحد حتى النساء إذا تعذر أخذه من أصل محله.

5 -وعلى تقديم الحمد والثناء على الله عند إلقاء مسائل العلم، وإزالة الشبهة عن المجتهدين.

6 -الحث على متابعة السنة والتحذير من مخالفتها، وهذا من أهم الأمور التي تركت ونشأ عن تركها مفاسد عظيمة في الدّين والدنيا. الأدب النبوي (ص:232)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت