فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 157

ومختلف طبقات الناس، بل إن المانوية أثرت تأثيرا عميقا على روح الكنيسة في تلك الفترة، وعلى إنشائها فيما بعد. [1]

وقد مرت الرهبنة بمراحل، فكانت في المرحلة الأولى هروبا من الناس وبعدا عن المدن والقرى الزاخرة بالأدناس، وانطلاقا في الصحاري والبراري ولجوءا إلى الكهوف، بقصد محاربة الجسد والإكثار من العيادة والتأمل. مع المحافظة على الوحدة والتفرد

وبمرور الزمن كثر عدد الراغبين في الترهب، ومال هؤلاء إلى نوع من الاجتماع والمعاشرة، إذ تعرض بعضهم إلى عدوان اللصوص والمجرمين، فبنوا لهم صوامع متجاورة، ثم انتهى بهم الأمر إلى بناء أسوار عالية تضم بداخلها عددا من الصوامع، فنشأ عن ذلك"الدير"وكثرت بعد ذلك الأديار وانتشرت هنا وهناك. [2]

كما وجه كثير من المسيحيين همهم كله إلى العمل على أن يستقبلوا يوم الحساب الرهيب طاهرين من الدنس، فكانوا لذلك يرون في كل لذة من ملذات الحياة غواية من غوايات الشيطان، ولهذا أخذوا ينددون بعالم الجسم ويعملون لكبت الشهوات بكثير من أنواع التعذيب البدني [3] .

وهذا يبين لنا أن الرهبنة ليست من رسالات السماء ولا سند لها، با هي من مخترعات البشر وتدليساتهم. والغاية المتوخاة منها هو التبشير بالمسيحية. ونتيجة هذه الأقوال والممارسات التي هي خلق نوع من الجمود والتبلد والانصياع والنفاق في الناس بدلا من مساعدتهم على أن يصبحوا أناسا مكتملي النمو العقلي والبدني موازاة مع الفطرة التي خلق الله تعالى عليها البشرية جمعاء.

فكيف تم إبطال الرهبنة كأساس من أسس المسيحية؟ وكيف تم نفي القول بتمسك المسيح لها؟ وكذلك إبطال كونها طريقا للخلاص.؟

إذا ما بحثنا عما يقابل هذا في الإسلام، نجده يطالب المؤمنين بإيجاد توازن صحي بين مطالب الروح والبدن، أي بين العالمين / الدنيوي والأخروي بدليل قوله تعالى: وَابْتَغِ فِيمَا

(1) - المسيحية نشأتها وتطورها شارل جنيبير ترجمة عبد الحليم محود ص 256.

(2) - المسيحية لأحمد شلبي ص 201.

(3) - قصة الحضارة المجلد الثالث ج 3 ص 282.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت