فهذه الأحاديث الصحيحة عن هؤلاء الصحابة كلها جاءت في حادثة خروج النبي صلى الله عليه وسلم لحصار يهود بني قريضة بعد خيانتهم في غزوة الخندق، فأمر الصحابة أن لا يبدؤوهم بالسلام، وأن يضطروهم إلى أضيق الطريق، لأنهم أهل حرب، وفي رد السلام عليهم بذل للأمان لهم، ففسرت هذه الأحاديث الإجمال الوارد في حديث أبي هريرة الذي لم يشهد الحادثة لكونه أسلم بعدها بسنتين في السنة السابعة للهجرة، بينما حصار بني قريضة بعد الخندق في السنة الخامسة، فليس هذا الحديث على عمومه في المشركين ولا في عموم أهل الكتاب، بل ولا في كل اليهود، ولا على إطلاقه بل هو في حال الحرب مع أهل الحرب، فلا يدخل فيه أهل ذمتنا، ولا المعاهد ولا المسالم من أهل الشرك.
وقد فسر إسحاق بن راهويه هذا الحديث بأن المراد منه منع بذل الأمان لليهود حين خرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم لحصارهم، لكونهم أهل حرب قال إسحاق (إذا كانت حاجة إليه فلك أن تبدأه بالسلام، ومعنى قول النبي(لا تبدؤوهم بالسلام) لما خاف أن يدعوا ذلك أمانا وكان قد غدا إلى يهود). ( [106] )
وكذا فسر شيخ الإسلام ابن تيمية سبب ورود حديث النهي عن بدء اليهود بالسلام كما نقله عنه ابن القيم (أما قول النبي لا تبدؤوهم بالسلام، وهذا لما ذهب إليهم ليحاربهم وهم يهود قريظة فأمر ألا يبدؤوا بالسلام، لأنه أمان وهو قد ذهب لحربهم، سمعت شيخنا يقول ذلك) . ( [107] )