ومع ذلك أسفر الإصلاح اليهودي العظيم الذي قام به الملك يُوشِيا قبل ذلك بقليل
سنواتٍ عن تطهير الهيكل من الأصنام التي كان حافٍّا بها.
فقد أمر ذلك الملك الكهنة كما جاء في سِفْر الملوك:
أن يُخْرِجوا من هيكل الرب جميع الأدوات المصنوعة للبعل والعَشْتاروت
ولجميع جنود السماء فأحرقها.
وأزال الخيل التي أقامها ملوك يهوذا للشمس من عند مدخل بيت الرب،
وأحرق مراكب الشمس.
ولكن شعب إسرائيل كان قد بلغ من الغرق في الإشراك ما كان يتعذَّر معه على
عزيمة ملكٍ أو خُطب نبيٍّ تخليصه منه.
وكان إلهُ النار مُولَكُ الهائل الذي هو من الأصنام المفضلة، يُمَثَّلُ بتماثيلَ نحاسيةٍ،
فيُوضَع صغار الأولاد على ذُرعانها المحماة.
وكان التقيُّ يُوشِيَّا يحارب تلك الخرافات الظالمة»: فنجَّس تُوفَتَ التي في وادي بني
هِنُّوم؛ لكي لا يُجيز أحدٌ ابنه أو ابنته في النار لمولك «.
وكان مولك إله النار الضارة، وكان يمثِّل الصاعقة التي تحرق الحصاد وحرارة
الشمس الضارية التي تجعل السهول جديبةً، وكان مولك إلهًا مرهوبًا فيجب تسكينه.
وكان بَعْل على عكس مُولَك، يمثِّل الشمس النافعة، فيُنضِج أثمار الأرض ويُحَمِّر
القطف العطري بين خضرة الغصون، وكان الفنيقيون على الخصوص يعبدون بَعْلًا،
فأدخلته إيزابَل الصِّيدُونية على الخصوص إلى العبريين.
وظهر في عهد زوج الأميرة أحْآب جفافٌ عظيم، فتصارع نبي يَهْوَه إيليَّا والكهنة
ليعرفوا أي آلهته ينُزل المطر ويمنُّ على الحقول بالخُضَر، وظهر أن دعاء إيليَّا أعظم أثرًا
من دعاء منافسيه، فأساء هذا الأمر الملكة إيزابَل كثيرًا.
وكان لعَشِيرَا، وهي عَشْتارْتا الفنيقيين وعَشْتار بابل، أو ميليتا بابل، عظيم حظوة
لدى شعب إسرائيل الشَّبِق؛ وذلك لما كان لها من شعائرَ شهوانيةٍ.
وكانت هياكل ذلك الإله تقوم على تلالٍ ذات هواءٍ منعشٍ رطيبٍ فوق سهولٍ محرقةٍ
ذات بعوض مُفسد لبقاع الدنيا، وكانت تحاط تلك الهياكل بغاب الزيتون حيث يُسمَع
للحمائم العاشقات سجعٌ وهديل، وحيث كانت الفتيات اللائي يتألَّف من أجسامهن
اللطيفة ضحايا حيةٌ مُعدَّة على الدوام لتكتوي بنيران إلهة الحب، يقضين نُهُرَهن في
تطريز الخيام للغياض، ولياليهن في قضاء أوطار المؤمنين الذين يتقاطرون إلى هنالك.
وكان وتدٌ صغيرٌ مغروزٌ في الأرض، رمزًا غليظًا لعضو التذكير، يكفي لتلقين مبدأ
عَشِيرا وتقديس الغابة.
وغدت تلك العَهَارات المقدسة تكتسب شكلًا كريهًا عندما صار الخصيان، لا النساء،
هم الذين يبيعون أنفسهم من المؤمنين في ليل الغاب الكثيف الفاتن، وعلى ما كان من
نعت الأنبياء لهؤلاء الخصيان بالكلاب، وعلى ما كان من حظر نَذْر أجور هؤلاء الفاسقين
لم ينفك بنو إسرائيل عن مضاجعتهم، فمن أجل هذه المنكرات وصف الأنبياء إشعيا
وإرميا، وحزقيال على الخصوص، أورشليمَ بالمدينة العاهرة التي لا تشبع من الفجور.
قال يَهْوَه لتلك المدينة الآثمة: «اتكلت على جمالك، وزنيت على اسمك، وسكبت
فواحشك على كل مجتاز كان له ما تبتغين، وأخذت من ثيابك فصنعت لك مشارف ملفقة
الشقق، وزنيت فيها زنى لم يكن ولن يكون.»
ويَهْوَه، ذلك الذي بَدَا كثير الغيرة للمعبودات المنافسة، كان الإله الذي يتخذه الأنبياء
لدعوة بني إسرائيل إلى مبدأ التوحيد السامي.
والأنبياء كانوا يختارونه لأنه الإله القومي، ولأنه - وقد تشخص الشعب فيه -
حَكَمُ بني إسرائيل في السراء وفي الضراء، فكان له من النصيب في الارتضاء به وحده أكثر
مما بغيره.
وكان نشوء يَهْوَه في سيناء بسبب الهول الذي أوجبه في بني إسرائيل منظر ما
يجهله وادي النيل من مناظر عواصف الجبل المرهوبة.