الصفحة 31 من 41

وكان يَهْوَه في بدء الأمر إله الجو فقط، وكانت الصاعقة والرياح والسحب تُعَدُّ جيادًا

له، رُسُلًا له، دلائلَ عليه.

وقد مُثِّل يَهْوَه في تابوت العهد بحجرين سقَطَا على الصحراء تحت نظر بني إسرائيل

المبهوتين.

ولا يزال يَهْوَه يتجلَّى في عمود الدخان وعمود النار اللذين كانَا دليلين لبني إسرائيل

في التيه، مع صدورهما عن الريح التي تعبث بالصحراء.

وفي جميع أسفار التوراة، حتى في أحدثها، ترى العوارض الجوية ملازِمة لذلك الإله

مُخبِرةً به على الدوام.

وقد أنزله إيليَّا على الهيكل في صورة حمامة، ولقيه على جبل الكرْمل في نسيم

خفيف، وسَمِعَ أيوب صوته يخرج من عاصفة.

وفي المزمور الثامن عشر ذُكِر ظهور ذلك الإله كما يأتي:

سطع دخانٌ من أنفه ومن فيه نارٌ آكلةٌ، جمر متقد، طأطأ السماوات ونزل

والضباب تحت قدميه، ركب على كَرُوبٍ وطار وخُطف على أجنحة الرياح،

جعل الظلمة حجابًا له مظلة حوله، ظلام المياه ودَجْن السحب، من بهاء

حضرته مرت سحبه، بردٌ وجمر نارٍ، أرعد الرب من السماء وأسمع العلى

صوته، بردٌ وجمرُ نارٍ.

ولم ينشب ذلك الإله الذي هو وليد هول البادية، أن عُدَّ بين بني إسرائيل إلهًا خاصٍّا

بهم، وإن شئتَ فقُلْ مَلِكًا قوميٍّا لهم.

ومن العادات العامة بآسيا، حتى في مصر، حتى لدى جميع الأمم القديمة، أن كان

لكل مدينة، لكل قبيلة، إلهها الخاص الحافظ، مع اعترافها بطائفةٍ من الآلهة، فكان

لمؤاب الإله خَمُوسُ، ولصُور الإله مِلْكارت، وللفلسطينيين الإله داجُون، ولبني إسرائيل

الإله يَهْوَه.

ولم يعبد بنو إسرائيل - حتى دور الإسارة، حتى عند أكثر أنبيائهم توحيدًا - إلهًا

يمكن أن يكون رب الأمم الأخرى، ولم يكن لإصلاحات الأنبياء غير صبغة محلية في كل

حين، وكل ما كان يطلبه هؤلاء الأنبياء هو أن تسود بني إسرائيل عبادة يَهْوَه على حساب

المعبودات الأجنبية، ففي فلسطين لم يفكِّر أحدٌ في إله إزلي شامل قبل إِشَعْيَا وإِرْمِيَا، أي

نبيَّيِ المنفى الكبيرين اللذين لم يكادَا يُبصِران تلك النتيجة المجيدة.

وعلى ما في أسفار اليهود من دفاعٍ عن أفضلية يَهْوَه، لم تُمار هذه الأسفار قطُّ في

وجود آلهة أجنبية.

جاء في سِفْر التثنية: «أي شعب كبير ذي آلهة قريبة منه قُرْب يَهْوَه منَّا، حينما

نبتهل إليه في كل مرة.»

وسِفْر التثنية هذا يأمر بني إسرائيل بهدم جميع مدن الشعوب المغلوبة وبيوت

عبادتها وتحطيم أصنامها؛ لكيلا يُضطروا إلى خدمة آلهة البلدان الأجنبية، ومعنى هذا

أن لولا هذا التخريب لاقتضى انتحال الآلهة التي تشتمل عليها تلك المحال بطبيعة الحال.

إذن، أضحى يَهْوَه إله بني إسرائيل القومي، بَيْدَ أنه كان لا مَعدل لهذا الإله -

مع غيرته - عن العيش متفاهمًا هو وطائفةٌ من الآلهة والإلهات، والحيوانات المقدسة

كالعجل والثعبان، حتى الزمن الذي أدَّى فيه تطوُّر بني إسرائيل الديني إلى عودة هذا

الشعب إلى ميوله الأولى التي أفسدتها الإقامة بما بين النهرين، أي إلى التوحيد السامي.

وكان يَهْوَه ذلك ضاريًا على الخصوص، فالدماء إذا لم تُرَقْ، والشحم إذا لم يَقْتُر

على المذبح؛ لم يرتضِ.

وكان تُقَدَّمُ إليه قرابينُ عظيمةٌ، وبلغ ما ذبحه سليمان دفعةً واحدةً من الثيران

والخرفان الكثيرة ما ظهر معه المذبح النحاسي - الذي يُذبَح عليه عادةً - صغيرًا

جدٍّا، فجلس هذا الملك في فناء الهيكل وهو يذبح أو يأمر بالذبح بلا انقطاع مدة أسبوعٍ

كامل، فبلغ ما ذبحه، بحسب رواية أخباره، اثنين وعشرين ألف ثور، ومائةً وعشرين

ألف خروف؛ إرضاءً لميول إلهه الدامية!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت