ولم يكن يَهْوَه ليرتضي بالقرابين الحيوانية وحدها، بل كان لا بد من تقديم القرابين
البشرية إليه، ودامت هذه العادة لدى بني إسرائيل طويلَ زمنٍ، فضحَّى يَفتاحُ بابنته،
وكاد إبراهيم يُضحِّي بابنه، وضحَّى صموئيل بملك العمالقة أجَاج فقدَّمه قِطَعًا إلى يَهْوَه
في الجلجال.
وتتجلَّى سجية يَهْوَه الدامية في معظم أوامره إلى شعبه، وقد قال إلى الشعب المختار:
إذا ما دخلت مدينة لم يفُتْكَ أن تقتل سكَّانها بحد السيف، وأن تستأصلهم
أطلة الدم، وأن تبيد كل ما يكون في تلك المدينة وأن تذبح حتى بهائمها.
فهذا هو المعبود الهائل الذي كان يسوع الحليمُ يسميه «أبي» ، وأمام هذا المعبود
تضُمُّ النساء النصرانيات الناعمات أيادي أطفالهن منذ عدة قرون.
ومع ذلك رأت النصرانية بالغريزة ألَّا تستعمل كلمة يَهْوَه منتحلة كلمة الرب على
العموم، وهذا الاسم رائع مبهم كاسم إلوهيم الرعاة.
ومن العمل المطول الذي لا نصنعه هنا أن نتعقب خطوة خطوة التطور الطويل
الذي تحول به سنةً بعد سنة وقرنًا بعد قرن، الإله الطاغية المُمثَّل بحجرين، يَهْوَه سيناء،
والذي بَدَا به في بدء الأمر معبودًا ضاريًا مشبعًا من ضحايا داود وسليمان، والذي ظهر
به بعدئذٍ أزلى إشعيا المُدعى بحُكم العالم، والذي تجلى به في نهاية الأمر أبًا ليسوع،
فمُزِج بطبيعته هذا المصلح الحليم، كما أننا لا نبين هنا كيفية ظهور بعض العقائد
النصرانية، ونشوء هذه العقائد كالبعث والحياة الآخرة التي سكتت عنها التوراة تقريبًا،
وليس الموت لدى بني إسرائيل غير نومٍ عميق بلا يقظة، وفي هذه الحياة الدنيا، لا في
الحياة الآخرة، ما يجب أن يتحقق وعد يَهْوَه ووعيده حول مراعاة الشريعة الشديدة.
ودام، حتى زمن الإسارة، دين اليهود القائل بتعدُّد الآلهة كما وصفناه، وذلك
بعبادته الكثيرة وطقوسه المتنوعة وأساطيره المتكاثفة.
ثم كانت خطوةٌ نحو التوحيد، وكانت هذه الخطوة من المفاجأة ما يُظنُّ معه أنها
وليدة طفرةٍ حقيقية، لا تطورٍ منتظم.
وثغرةٌ كتلك مما كان لا يتجلَّى في تاريخ بني إسرائيل ولا في فكرهم، بل في أسفارهم
المقدسة.
إن التوراة كتابٌ ألُّفَ في أدوار مختلفة أشد الاختلاف، وإن التوراة مملوءةٌ
بالارتباطات والاختلاطات والروايات المرتبة المصنوعة بعد قصير وقت، ويعقب شعر
إشعيا الروحاني السامي في تاريخه ومكانه في العهد القديم إشراكُ الأجيال القديمة
وأقاصيصها الجاهلية، ومما لا ريب فيه وجود ثغرة عدة قرون في ذلك لا تسدها وثائق
التوراة.
وليس علينا أن نبحث هنا كيف يمكن ذلك؛ فقد سرنا واليهود حتى الزمن الذي
عادوا لا يؤلفون فيه أمةً، فلا نرسم التحولات التي عاناها فكرهم بتعاقُب الأجيال بعد
ذلك، وقد بيَّنَّا بما فيه الكفاية، التطورَ الذي أضحت به المذاهب الكلدانية دين اليهودية،
بعد أن انتحلها هذا الشعب الجديد، فمن مجاوزة حدود هذا الكتاب أن نُبيِّن كيف صار
دينُ اليهود المشتق من المعتقدات الكلدانية، الدينَ الكبير الذي هَيْمَنَ على أمم أوروبا
المتمدنة نحو ألفَيْ سنة، وذلك باقترانه بالأساطير الآرية.