ومما يلاحظ في جميع الأسفار الإسرائيلية، التي تُعَدُّ كتبًا تاريخية، ميلٌ ظاهرٌ إلى
استخراج نظريةٍ من انتظام الحوادث، وهذه الأسفار لم تُكتَب لحفظ ذكرى الوقائع
الممتعة فقط، بل كانت غايتها إثبات شيء، وهذه الأسفار جميعها إذ وُضِعت بصيغة
الجزم بدا حُسْن النية فيها هزيلًا.
وما تركه العبريون لنا من تاريخهم فقد دوَّنه أحبارٌ ملكيون كانوا يهدفون إلى
نصر مبدأ الحكومة الملكية الإلهية.
وكان هؤلاء لا يألون جهدًا في إظهار بني إسرائيل مسُوسين من إلههم القومي يَهْوَه
الذي يُعَدُّ القضاة أو الملوك مترجمين مفاوضين له بكثرة دالة، وكل عصيان ليَهْوَه كان
يؤدي إلى جزاء فوري، وكل تقوى نحوه كانت توجب أعظم رخاء.
وكان يصعب على المؤلف إذا ما تناول الحوادث الحديثة المعروفة جدٍّا أن يشوِّهها
تشويهًا كليٍّا، فيكتفي بجعل تفسيره التي يمليها الهوى ملائمةً لها.
ويمكن أن يُعتمَد تقريبًا على كتاب اليهود في معظم تاريخ بني إسرائيل بعد شاول،
وتتجلى مزيتهم الكبيرة، ولكن مع غير شعور، في حفظهم لنا حفظًا صحيحًا وصف
المجتمع الذي تمت فيه الحوادث، لا هذه الحوادث على الدوام.
وتجد جميع معتقدات اليهود في أسفارهم حيث أودعت منذ عدة قرون، ولكن حيث
كان عمى الوساوس الدينية يحول دون رؤيتها.
وظلت أوروبا النصرانية زمنًا طويلًا تقرأ كتب مؤرخي اليهود بالروح التي أرادها
هؤلاء المؤرخون، وما وده أولئك المؤرخون من تمويهٍ على معاصريهم ارتضاه أمثال
أغُوسْتِن وبَسْكال وبُوسُويه وشاتوبريان، أكثر من ارتضاء ذلك الشعب الجاهلي المتعصب
الذي حاولوا إقناعه.
وكُتَّاب اليهود إذا لم يكونوا مؤرخين صادقين كانوا وصافين أوفياء، ومن الوثائق
التي لا يَعدِل قيمتها شيءٌ ما أتوا به من الأوصاف الساخطة حول وثنية بني إسرائيل
المتأصلة، والأوصاف الساذجة للطبائع الرعائية، وسلاسل الأنساب التي لا حدَّ لها،
وسمات الأخلاق الهائجة.
ومن الناحية الأدبية عرضوا علينا صفحاتٍ جميلةً إلى الغاية، وتُعَدُّ فصول سِفْر
التكوين الأولى أثرًا ممتازًا للعظمة والبساطة، وعلى هذا الوجه وبمثل هذا العرض وهذه
اللغة، يمكن المرء أن يتمثل بدء الرواية البشرية الكبرى.
وإذا كان الأساس كلدانيٍّا فإن الشكل عبري، وكان لا بد من قناعة السامي لوصف
تلك المبادئ الهائلة في بضع كلمات، ومنحها حتى بالوسائل الساذجة مظهرًا غريبًا من
ظاهر الحق والحياة.
وبجانب أسفار العبريين التاريخية والخرافية تجد القصة الصِّرْفة التي لا يُزعَم
صِدْقها، والتي لا يبالى فيها بالغلط التاريخي، والتي لا غاية لها سوى افتتان القارئ
وثقافته الخُلقية في بعض الأحيان.
وحَذِق كُتَّاب اليهود ذلك النوعَ، فأشربوه حياةً وطبيعةً وفتنةً في الجزئيات على وجهٍ
خاص.
وإذا عدوت ما قد تشعر به من اللذة في قراءة تلك الأقاصيص المؤثرة أو الفاجعة،
كقصة يَهُودِيت ورَاعوُت وطُوبيَّا وأَسْتِير ... إلخ، وجدتها تشتمل على تفصيلاتٍ مهمةٍ
عن الطبائع، وذلك كالوسواس الذي يساور يَهُوديت مع استعدادٍ لاقتراف جُرم القتل،
حول أكل لحوم الحيوانات التي لم تُذبَح وفق الطقوس، وذلك كالوجه الذي دعت به
رَاعُوت بُوعَزَ، أقرب إنسانٍ إلى زوجها، فوجب من حيث النتيجة أن يتزوجها بُوعَزُ ذلك
وَفْقَ شريعة إسرائيل، على الرغم من الفرق العظيم في مقاميهما الذي يجعل تلك الفتاة
كثيرة الخجل.
وقصة راعوت هذه من أطرف الأقاصيص الرعائية التي كُتِبت.
وإن خُلُق تلك الباسلة الناعم الخلي المحتشم، وإن خُلُق بُوعَز النبيل المستقيم
الصادق، وإن غَمَّ نُعمِي الممزوج بالتسليم، مما صور بسلامة ذوق ورِقَّة صنعةٍ، فيلوح
أنه آخِر كلمة للفن، وإن السهول المُثقلة بالسنابل الذهبية مع نشاط الحاصدين الجافي