الصفحة 35 من 41

وراحتهم بعدئذٍ تحت السماء ذات الكواكب، وفي جلال ليالي الشرق مما عُرِض كدائرة

للقصة.

ومن الطرافة أن يُنتِج اليهود آدابًا خفيفة عاطفية ذات عفاف على الرغم من تحلُّلهم،

وما عندهم من أخبار الدعارة تجده في تاريخهم الخاص، لا في كتبهم التي هي وليدة

الخيال الخالص.

وتجد سِفْر نشيد الأناشيد، الذي هو أكثر أسفارهم شهوانيةً، يصف أشد الغرام

بعبارات شعرية أكثر منها شبقية، وليست لذة الحواس وحدها هي موضع هذا الشعر

الفتان، وهذا الشعر يأخذ بمجامع القلوب على حسب التعبير المألوف، وفي هذا الشعر

ترى سُلامِيَة عاشقةً رقيقة متوقدة معًا، وترى التعبير عن نار الرغبة فيها مقيَّدًا بصورٍ

تُنقذ بها وعورة بعض الميول.

ولم يجد الحب المنغص من النبرات المثيرة في أي كتاب مثل ما في سِفْر نشيد

الأناشيد، ولم يستر الوَلُوع العنيف بأرق الصور في أي كتابٍ مثل ما في سِفْر نشيد

الأناشيد.

وسِفْر نشيد الأناشيد هو أجمل ما انتهى إلينا من الشعر الغرامي السامي. أجَلْ، إن

الآثار التي هي من هذا الطراز غير قليلة لدى العرب الذين لم يتغنَّوا بغير المرأة والجياد

والملاحم، غير أن الحواس هي التي كانت تستحوذ على هؤلاء، فلا تكاد ترى في شعرهم

الخيار والتفضيل، أي المشاعر، بل كانوا يصنعون ما يثير اللذات، فتبدو لهم كل امرأةٍ

حسناءَ إذا كانت فتاةً حسنةَ الخِلْقَة.

وفي سِفْر نشيد الأناشيد تُبصر، بالعكس، أن سُلَامِية وراعيها كانَا يتحابان حبٍّا

في ألمان كلما تباعَدَا، ومن المحتمل أن يكون هذا المبدأ، الذي هو أقرب إلى الشعور الروائي

في أيامنا منه إلى النعيم الحسي الشرقي الأعمى، أبرز ما في ذلك الشعر الغرامي.

وأرادت الكنيسة النصرانية أن ترى في ذلك النشيد الغرامي الولهان أثرًا في الأخلاق

الزاهدة، مُصوِّرً اضروب النعيم عند الاتصال الوثيق بالله.

ولا نرى مثالًا أبرز من ذلك على روحية الأحكام البشرية، وقد خُلِقت نساء طاهراتٌ

زاهداتٌ في قرونٍ ليُفكِّرن في صوغ جملٍ متأججةٍ كالجمل الآتية:

في الليالي على مضجعي التمست مَن تحبه نفسي، التمسته فما وجدته.

هلم يا حبيبي، لنخرج إلى الصحراء، وَلْنبت في الضياع، فنُبكر إلى الكروم

وننظر هل أفرخ الكَرْم، وهل تفتحت زهوره، وهل نور الرمان، وهنالك أبذل

لك حبي.

لا يعوز الآدابَ اليهوديةَ آثارٌ خُلُقيةٌ خالصة مستقلة عن التصانيف الدينية الكبيرة،

فيُعدُّ بعض الأسفار، كسِفْر الأمثال وسِفْر الجامعة وسِفْر الحكمة، مجموعات أمثال

عملية مُعدَّة لتوجيه سير الحياة، ولكن من غير كبير صلةٍ بالآلهة مهما كان نوعها.

والروح العامة في تلك الأمثال هي أبيقورية ارتيابية، وما فيها من قولٍ مؤكد بأن

أوضح واجبٍ علينا هو أن نتمتع بالحياة العتيدة لعدم وجود شيء وراءها، وبأن من

الجنون أن نضحي بالساعة الراهنة في سبيل أوهام باطلة، لم يسبقه ما أتى به أناكْرِيون

وهُوارَسُ في العالم الوثني القديم.

وفي تلك الأسفار ترى درجة عطل اليهود من كل أمل فيما وراء القبر.

جاء في سِفْر الجامعة القول الجافي الآتي: «إن الكلب الحي خيرٌ من الأسد الميت.»

ولا تجد في سِفْر الأمثال، كما أنك لا تجد في سِفْر الجامعة، قولًا عن نظرية الكُتَّاب

المَلَكيين في عدل يَهْوَه بعد هذه الدنيا، فيكافئ الأبرار ويجازي الأشرار.

جاء في سِفْر الجامعة: «يوجد صدِّيقون يصيبهم مثل عمل الأشرار، ويوجد أشرار

يصيبهم مثل عمل الصدِّيقين.»

وفي كل زمن كان لمجموعات الأمثال أهمية عظيمة في آداب كل أمة، وذلك لما تؤدي

إليه من النفوذ في فكرها الصميمي.

ولم تشذ أمثال بني إسرائيل عن ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت