الصفحة 36 من 41

ولسنا هنالك أمام عمل مقرَّر قائل بنشر ما يصعب قبوله من الحقائق، ولسنا

هنالك أمام رُؤى الأنبياء العظيمة الشخصية.

ومن خلال تلك الأمثال، التي لم تكن من وضع رجلٍ واحدٍ، والتي كانت تتداولها

الأفواه فتتكاثف فيها تجربة طويل القرون، تُبصر فكر بني إسرائيل الحقيقي.

وكان ذلك الفكر نفعيٍّا عمليٍّا، وهو الفكر الذي سيطر على شعب إسرائيل منذ

دور الفتح، منذ الزمن الذي عَلِم فيه هذا الشعب الشهواني قيمة جميع خيرات الأرض،

فجعلته متحرزًا ماهرًا طامعًا جشعًا في الربح، ضيقًا في آفاقه، غير مستعد للتضحية

بفائدة الساعة الحاضرة في سبيل منافع حياةٍ قادمة غير محققة، وفي سبيل أَنْعُم إلهٍ

مُثيب.

الحكيم يخاف فيجتنب الشر، والسفيه مَن يسير على غير ذلك.

الغني يُكثر الأخِلاء، والفقير يفارقه خليله، وجميع إخوة المُعْوِز يبغضونه.

في كل تعبٍ منفعةٌ، وكلام الشفتين إنما هو إلى الفقر.

اذهب إلى النملة أيها الكسلان، تأمل طرقها وكُنْ حكيمًا.

العامل بيدٍ رخوةٍ يفتقر، أما يد المجتهدين فتُغني.

مَن يجمع في الصيف فهو ابنٌ عاقل، ومَن يَنَمْ في الحصاد فهو ابنٌ مُخْزٍ.

توجد طريق تظهر للإنسان مستقيمة وعاقبتها طرق الموت.

وتمتدح الأمثال نوعًا من الحكمة ليس سوى الحذر الدنيوي، ولكن مع سموه أحيانًا

كما يبدو، ومن ذلك:

قليلٌ مع عدل خيرٌ من كثيرٍ مع جورٍ.

بَيْدَ أن سِفْر الجامعة أكثر ارتيابًا؛ فقد جاء فيه:

قلت في قلبي: إن الذي يحدث أهل يحدث لي أنا أيضًا إذن، فلِمَ حكمتي هذه

الوافرة؟ فقلت في قلبي: هذا أيضًا باطلٌ.

وقد خُلِط سِفْر الجامعة بالملك سليمان عن غلط يتعذر إدراكه، فلا شيء يبتعد عن

ذلك السِّفْر العسير العميق أكثر مما نعرفه من حياة هذا الملك وأخلاقه، وإذا كان واضع

ذلك السِّفْر قد أجرى أقواله على لسان ذلك الملك القوي، فَلافتراض جارٍ في الآداب، ولرغبة

ذلك المؤلف في مضاعفة الوزن والرجل لكي يدعي بأنه أزال وهمه عن كل شيء في هذا

العالم يجب عليه أن يعرف كل شيء، كالغنى والسلطان وجلال العرش وأبهة القصور

ومَلَق الرجال.

جاء في سِفْر الجامعة: «كنتُ مَلِكًا، فزدتُ عظمةً ونموٍّا على جميع الذين كانوا قبلي،

وجمعتُ لي فضةً وذهبًا من أموال الملوك والأقاليم، وكل ما ابتغته عيناي لم أدعه يفوتها،

ولا منعت قلبي من الفرح شيئًا، فإذا الجميع باطل.»

ولم يشتمل سِفْر الجامعة على جميع ما يرنو إليه أقصى الطموح من المحاسن فقط،

بل يشتمل أيضًا على بصيرة واسعة؛ فقد نفذ إلى أساس الحكمة البشرية.

فمما جاء في سِفْر الجامعة: «رأى قلبي كثيرًا من الحكمة والعلم، ووجهت قلبي

لمعرفة الحكمة والجنون والحماقة.»

وبطل ذلك السِّفْر - وهو مؤلفه - كاملٌ، فلا يعوزه شيء، وهو يملك كل ما يجوز

دعوته بالسعادة، سواءٌ أمن الناحية الذهنية أو الناحية الجثمانية.

وإليك كيف يرجع إلى نفسه فيسألها وهو أوج السلطان وذروة العِلم الإنساني وهو

في سواء ألذ الشهوات:

هل بلغ الغاية التي وجد من أجلها في العالم؟ أفيعرف هذا الهدف وحده؟ ما

هو أساس جميع الأشياء؟ آلشرور؟ أصاحب سفر الجامعة سعيدٌ؟

جاء في سفر الجامعة: «قلت في قلبي من جهة أمور البشر: إن لله يمتحنهم ليريهم

أنهم كالبهائم؛ لأن ما يحدث لبني البشر هو يحدث للبهيم، وللفريقين حادثة واحدة،

كما تموت هي يموت هو، ولكليهما روحٌ واحدة، فليس للإنسان فضلٌ على البهيمة؛ لأن

كليهما باطلٌ، كلاهما يذهب إلى مكان واحد، كان كلاهما من التراب، وكلاهما يعود إلى

التراب.»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت